عن ادعائهم الإيمان بالزعم، فلما عبر بالزعم دلّ على انتفاء حقيقة الإيمان بالله، كما أنّ في قوله تعالى (وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) دليلٌ أيضا على انتفاء حقيقة الإيمان عنهم، ويتضح كفرُ من تحاكم إلى الطاغوت أو حكّمه بمعرفة سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر المفسرون أن سبب نزول الآية أنها كانت بين رجلٍ من اليهود وآخرَ من غير اليهود خصومةٌ، فقال اليهودي: نترافع إلى رسول الله، وقال الآخر: بل نترافع إلى كعب بن الأشرف اليهودي، فنزلت هذه الآية، وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نترافع إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة، ويتحاكما إليه، فنزلت (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ..) الآية، وهذا الأثر المروي عن الشعبي وإن كان فيه ضعف إلا أن له شواهدَ متعددةً تعضده وتقوّيه، ووجه الاستشهاد بسبب نزول هذه الآية على كفر وردة من ذكروا فيها: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل الرجل الذي لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلو لم يكن مرتدا لما قتله.
كما روي عن عروة بن الزبير أنه قال: اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فقضى لأحدهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر رضي الله عنه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم انطلقوا إلى عمر، فانطلقا، فلما أتيا عمر، قال الذي قضى له: يا ابن الخطاب: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى لي، وإن هذا قال: ردنا إلى عمر فردنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر: أكذلك ؟ للذي قضى عليه فقال نعم، فقال عمر: مكانك حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله.
وهذا الاختلاف الحاصل في سياق القصة لا يقدح في ثبوتها لاحتمال التعدد، كما أن في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) [النساء / 61] دلالة على أن من صد عن حكم الله ورسوله وأعرض عنه فحكّم غيره أنه منافق، والمنافق كافر) اهـ.
[1] راجع (النظام الأساسي لمحكمة العدل الدّولية) و (العلاقات السياسية الدولية) للدكتور إسماعيل صبري ص702 وغيره.
[2] إن المرء ليعجب أشد العجب من نذالة هذه الحكومة وأمثالها من الدول التي تتمسح بالإسلام كيف يسلمون قيادهم ومصير دولهم وعروشهم وشعوبهم لأؤلئك الأرذال ليتحكموا فيهم كما يشاؤون، فإن مثل هذا الانقياد الكلي للنّصارى واليهود المسيطرين على مثل هذه المنظمات لتأباه حتى الشيم العربية التي ينتسب إليها هؤلاء، ولكن من هان عليه دينه وانسلخ من عقيدته، لا تردعه شيمة ولا كرامة ... وهاك أمثلة من عبوديتهم لتلك المحكمة: مادة (60) من قانونها: (يكون الحكم نهائيًا