فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 370

فهذا الصحابي كان يشرب الخمر وما منعه ذلك من أن يجاهد في سبيل الله، بل كان إقدامه على الجهاد وبلائه في القتال سببا في إسقاط الحد عنه.

ولهذا كان اختيار بعض الفقهاء منهم ابن القيم أن من ارتكب موجبا للحد في الغزو ثم أتى من الأعمال الصالحة ما يدل على صدق توبته وما يربو على ذلك الذنب أن الحد يسقط عنه كلية سواء كان في دار الحرب أو رجع إلى دار الإسلام.

وفيه يقول ابن القيم رحمه الله: (والظاهر أن سعدا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد، لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت) [إعلام الموقعين 3/ 5 [.

وإذا كان من اعتقاد أهل السنة أن الجهاد يجب وهو ماض إلى يوم القيام مع كل بر وفاجر لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر، وهؤلاء الذين يغزى معهم ويقصدهم العلماء هم القادة والأمراء، ولم يقل قائل ممن يعتد به إن فسقهم يمنعهم من القتال أو يحرم الغزو معهم والسمع والطاعة لهم في المعروف، فكيف إذا يمنع الفاسق الذي قد يكون جنديا مغمورا في الجيش من الجهاد والغزو بدعوى أن إيمانه لم يكتمل، وأن آيات الجهاد والأعداد لا تخاطبه وهو على تلك الحال من الفسق.

قال الإمام ابن حزم رحمه الله: (ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم من أجل فسق رجل مسلم لا يحاسب غيره بفسقه) [المحلى 7/ 218 [.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله مبينا أن آيات الجهاد يخاطب بها كل من كان من المؤمنين سواء كان برا أو فاجرا بل والمنافقون أيضا: (الفساق يخرجون من النار بالشفاعة وإن معهم إيمان يخرجون به من النار، لكن لا يطلق عليهم اسم الإيمان لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة، وهؤلاء ليسوا من أهله وهم يدخلون في الخطاب بالإيمان لأن الخطاب بذلك هو لمن دخل في الإيمان وإن لم يستكمله، فإنه إنما خوطب ليفعل تمام الإيمان، فكيف يكون قد أتمه قبل الخطاب، فالخطاب بـ(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، غير قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ونظائرها، فإن الخطاب بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، أولا: يدخل فيه من أظهر الإيمان وان كان منافقا في الباطن يدخل فيه في الظاهر فكيف، لا يدخل فيه من لم يكن منافقا وإن لم يكن من المؤمنين حقا).

إلى أن قال: (والتحقيق أن يقال إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يعطى اسم الإيمان المطلق فان الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق، واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله لأن ذلك أيجاب عليه وتحريم عليه، وهو لازم له كما يلزمه غيره، وإنما الكلام في اسم المدح المطلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت