فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 370

فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول.

فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه، مسعر حرب لو كان له أحد.

فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر.

قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم).

قال أصحاب هذه الشبهة:

فقد رد الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم إلى الكفار، وفي هذا دلالة على جواز مثل هذا!!.

الجواب:

أن هذا الحديث من أصرح الأدلة أيضًا عليهم، وأقواها في بيان باطلهم من وجوه:

الوجه الأول:

أما رده المسلم إلى الكفار فهو أمر خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، لا يتعدى إلى غيره، ويدل على خصوصيته ما في الصحيح عن أنس لما سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فقال: (إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا) .

فقد ذكر أن من رده إليهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا، وهذا على القطع لا يعلم إلا بالوحي، وفي هذا دلالة على عدم جوازه من غيره لأنه لا أحد يعلم أنه سيفرج الله لمن رده إلى الكفار.

وقد ذكر ابن حزم رحمه الله شبهة من استدل بهذا الحديث على رد المسلم إلى الكافر (الإحكام 5/ 26) حيث ذكر وجوهًا في ردها، ومما قاله:"أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلى الكفار أحدًا من المسلمين في تلك المدة إلا وقد أعلمه الله عز وجل أنهم لا يفتنون في دينهم ولا في دنياهم وأنهم سينجون ولا بد - ثم ذكر حديث أنس السابق."

قال أبو محمد: قد قال الله عز وجل واصفًا لنبيه صلى الله عليه وسلم (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) ، فأيقنا أن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلمًا فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا وحي من عند الله صحيح لا داخلة فيه، فصحت العصمة بلا شك من مكروه الدنيا والآخرة لمن أتاه منهم حتى تتم نجاته من أيدي الكفار، لا يستريب في ذلك مسلم يحقق النظر، وهذا أمر لا يعلمه أحد من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحل لمسلم أن يشترط هذا الشرط ولا أن يفي به إن شرطه إذ ليس عنده من علم الغيب ما أوحى الله تعالى به إلى رسوله وبالله تعالى التوفيق"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت