يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة ص (53) : "لما كان الإيمان له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانًا كالحياء والتوكل.. إلخ حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان.
وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة. ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى" اهـ مختصرًا.
هذا عند أهل السنة.. أما المرجئة والجهمية ومن تابعهم فإنهم يتخبطون في مسمى الإيمان وعلاقة الأعمال به.. وبالتالي فليس من الأعمال شيء يزول بزواله الإيمان عندهم.. وتأمّل كلام ابن القيم في شعبة الشهادة.. فإن دندنتنا كلها حولها..
وأما كون هذا الأثر ينص على أن الصحابة لا يرون من شعب الإيمان العملية ما يكفر تاركه إلا الصلاة، فلا ينبغي فهمه على أنه إجماع منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، بل أقصى ما يقال فيه أنه قول طائفة منهم، وأُطلق القول فيه تعظيمًا لشأنها، لأن منطوقه معارض مخالف بأقوال طائفة من الصحابة وأتباعهم، خصوصًا فيما يسميه ابن تيمية بـ (المباني) ، وهذا مبسوط في محله قد ذكره أهل العلم فيما صنفوه من كتب الإيمان.. بل هو معارض بإجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة قتال ردة، فقد انعقد إجماعهم بعد المناظرة التي جرت بين أبي بكر وعمر على قتالهم، ومعلوم أن كثيرًا منهم لم يجحدها وإنما منعها منعًا مجردًا، ومع هذا قاتلهم الصحابة جميعًا وكان قتالهم قتال أهل ردة فاستحلوا دماءهم وأموالهم بل وسبوا نساءهم وما (محمد بن الحنفية) بن علي بن أبي طالب، إلا ابن إمرأة من ذلك السبي.. وعد هذا الفعل من مناقب الصديق رضوان الله عليه.. فكيف إذا كانت قضيتنا هي (الكفر بالطاغوت) الذي ليس هو شعبة كسائر تلك الشعب، بل هو أعلاها وأعظمها فهو شطر أصل الإيمان وقاعدته.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في (مصباح الظلام) : "وأصل الإسلام ومبانيه لها شأن ليس لغيرها من السنن، ولذلك يكفر جاحدها ويقاتل عليها.. بل يكفر تاركها عند جمهور السلف بمجرد الترك" اهـ [1] .
وقد ذكر شيخ الإسلام أقوالهم حول ذلك في مواضع كثيرة من فتاويه انظر (7/302) حيث قال: "وعن أحمد في ذلك نزاع، وإحدى الروايات عنه أنه يكفر بترك واحدة منها - وهو اختيار أبي بكر وطائفة من أصحاب مالك كابن حبيب.
وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط. ورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة، والزكاة إذا قاتل عليها الإمام.
ورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة [2] .
وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن.. وهذه أقوال معروفة للسلف" اهـ.