فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 370

يقول ابن حزم رحمه الله تعالى في الفصل (3/293) عن هذه الآية: "فهذا هو النص الذي لا يحتمل تأويلًا ولا جاء نص يخرجه عن ظاهره أصلًا، ولا جاء برهان بتخصيصه في بعض وجوه الإيمان" اهـ.

-أضف إلى هذا أن اللفظ ها هنا ليس معنى لغويًا بحتًا، بل هو معنى شرعيٌّ خاصٌّ، وقد نص كثير من أهل العلم منهم شارح الطحاوية وشيخ الإسلام ابن تيمية على أن لفظة الإيمان مع الإسلام، إذا اجتمعا افترقا بالمعنى وإذا افترقا اجتمعا.. ومعنى هذا أنه إذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه.. وها هنا ورد لفظ الإيمان منفردًا فيشمل الإسلام معه.. فنفيه في الآية نفي للإسلام والدين..

-ويدل على هذا أيضًا سياق الآيات في السورة نفسها وقبل هذه الآية بقليل، فإنها نافية لأصل الإيمان.. كقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.. الآية) [النساء: 59] .

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: "فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر" اهـ.

وذكر الإيمان باليوم الآخر في الآية يقطع شبهة القول بكمال الإيمان لأنه شعبة من شعب الإيمان الرئيسة التي يزول بزوالها أصل الإيمان ومنه قوله تعالى قبلها أيضًا: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) [النساء: 60-61] .

فإذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت، مناقضة للكفر به الذي افترضه الله على العباد وأمرهم به.. فكيف بالتحاكم نفسه، بل كيف بما هو حاصل اليوم من جعل السلطة التشريعية كاملة وفي كل باب بيد الطاغوت وحقًا من حقوقه.. سواء كان هذا الطاغوت (دوليًا) أم (محليًا) أو كان (أميرًا) أم (نائبًا) أو كان (ميثاقًا) أم (دستورًا) .

ومعلوم من أصل دين الإسلام أن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد وشرط صحة للإيمان بالله لا شرط كمال.. والإيمان بالطاغوت كفر بالله ناقض لأصل الإيمان والتوحيد والإسلام، فالمكذّب المنفي إذن في هذه الآية هو أصل الإيمان وحقيقته لا كماله الواجب، فضلًا عن المستحب..

وهكذا فسياق الآيات كلها قبل آية الباب هو حول انتفاء أصل الإيمان لا كماله، ثم جاءت هذه الآية نصًا في الموضوع نفسه..

وهذا كسابقه، فالقائل بهذا مستصحب لأصل الخطاب المتضمن في السياق.. والمخرج لها عن ذلك خارج عن هذا الأصل مطالب بالدليل..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت