فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 370

مع حراسة ذلك وحمايته والاجتماع والتواطؤ عليه واصطلاحه كنظام للحكم.. فالأول هو الذي يقال فيه عند الكلام في التكفير استحل أو لم يستحل لأنها ذنوب غير مكفرة..

أما الثاني فهو كفر تشريع وتحليل وتحريم ولا يلتفت فيه إلى الاعتقاد ولو أقسم فاعله ألف ألف مرة على أنه غير مستحل قلنا له: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ) [التوبة: 66] ، وقد كذبكم الله وسمى إيمانكم الذي تدعون زعمًا..

إذ فرق كبير كبير بين من يرابي متأثمًا يبتغي لذة عاجلة وبين من يرخص الربا للناس ويشرّع له ويحمي مؤسساته ويتواطأ ويصطلح عليه.. وفرق كبير أيضًا بين من يشرب الخمر مذنبًا وبين من يرخص للناس شربها ويرخص لمحلات الخمر بيعها ويحميها ويُبدّل حد الله في الخمر بتشريعاته الساقطة.

وفرق كبير أيضًا بين من يقع في الزنا متأثمًا استجابة لغواية، وبين من يبدل حد الزنا ويرخص للبغاء بتشريعات تجعل الزنا جريمة فقط في حق الزوج وبيده، فإن رضي الزوج فلا جريمة ولا عقوبة بل هو مباح عندهم.. [9] .

فالتشريع وتحريم الحلال أو تحليل الحرام كما فهمت، عمل كفري مجرد وليس كسائر الذنوب التي يشترط فيها اعتقاد الاستحلال.. وقد ينضاف إليه الاعتقاد فيكون كفرًا مركبًا وزيادة في الكفر.. وليس هو قيدًا أو شرطًا للكفر ها هنا، فإن المشركين الذين أحلوا الأشهر الحرم بتبديلها بأوقات أخرى، كانوا يعرفون ويعتقدون في قرارة أنفسهم أن الأشهر المحرمة من عند الله هي تلك الأولى بعينها لا التي استحدثوها وشرعوها واستبدلوها هم، وهكذا كان معتقد اليهود يوم أن (بدلوا) حد الزنا أو (اجتمعوا) أو (اصطلحوا) أو (تواطؤوا) [10] على حكم آخر من عند أنفسهم، ولم يستحلوا الزنا ولا صرحوا باستحلالهم القلبي للتشريع والتبديل.. فالكفر أو مناطه ها هنا هو عمل التبديل أو التشريع أو الاتفاق أو الاجتماع أو الاصطلاح أو التواطؤ على حكم غير شرع الله تعالى.. فسواء قالوا نحن نقر في قلوبنا أو نجحد أن الأشهر التي حرمها الله هي الحق أو أن حد الزنا الذي أنزله الله هو الحق، أم لم يقولوا.. فالاعتقاد لا قيمة لذكره ها هنا إلا على سبيل الزيادة في الكفر.. لأن فعلهم ذلك بحد ذاته كفر وإشراك مع الله في حكمه، ومن أشرك نفسه مع الله بالتشريع فقد نازع الله في خصوصية من خصوصياته وأمسى طاغوتًا مشرعًا مع الله، وأتباعه وأنصاره وأشياعه على ذلك هم له عابدون.

[1] وهذا قريب من تقسيم شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية لنوعي الحكم بغير ما أنزل الله في منهاج السنة (5/131) عند قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) حيث قال: (فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن) .

وقال أيضًا: (ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت