ويلاحظ أن الله عز وجل نادى حاطبا ً بلفظ الإيمان في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا) الآية فدل على أنه لم يكفر بذلك العمل مع أنه قال: (تلقون إليهم بالمودة) و قال)تسرون إليهم بالمودة).
الثالث: أن تكون بسبب خوف من الكفار ونحوه فالحكم في ذلك الجواز.
الدليل: قوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) قال ابن كثير: أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء: إنه قال (إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم) أ هـ. وقال الشيخ محمد رشيد رضا: (يزعم الذين يقولون في الدين بغير علم، ويفسرون القرآن بالهوى في الرأي، أن آية آل عمران وما في معناها من النهي العام والخاص كقوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) (51) سورة المائدة، يدل على أنه لا يجوز للمسلمين أن يحالفوا أو يتفقوا مع غيرهم، وإن كان الخلاف أو الاتفاق لمصلحتهم، وفاتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محالفًا لخزاعة وهم على شركهم، بل يزعم بعض المتحمسين في الدين على جهل أنه لا يجوز للمسلم أن يحسن معاملة غير المسلم أو معاشرته أو يثق به في أمر من الأمور) وقال أيضًا: (وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المنفعة) أ هـ.
ومتى وجدت الموالاة والمظاهرة للكفار فإن الذي سيطبق نوع هذه الموالاة والمظاهرة من الأقسام الثلاثة على من فعلها عليه أن يتقى الله في عدم التسرع وعليه أن يعرف حقيقة الأمر وباطنه فالورع عن أكل المحرمات وفعل المنكرات ليس بأولى من الورع في إخراج مسلم عن ملة الإسلام والفتوى في مثل هذه القضايا العامة التي تتعلق بتعامل الدول مع بعضها والحكام مع بعضهم ليست من حق كل أحد من طلبة العلم بل من اختصاص كبار العلماء الذين يتصلون بولاة الأمر ويعرفون حقيقة الأوضاع فغالبا ً ما تكون الأمور المعلنة مخالفة للواقع الخفي فالمفتي مثل الطبيب الذي يشخص الداء أولا ً ثم يصف الدواء وبعض المفتين مثل الصيادلة عندهم علم بالنصوص ولكنهم لا يستطيعون تطبيق تلك النصوص على الواقع، كما أن الفتاوى الفردية في الأمور العامة تدعو إلى تشعب الفتاوى واختلافها ثم إلى اختلاف الأمة وانقسامها وشق عصا الطاعة في وقت تكون الأمة بحاجة ماسة إلى الاجتماع ووحدة الكلمة، ومن سبر حال النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين وتعامله معهم اتضح له معنى تلك النصوص ومراعاتها للمصالح واعتبارها لدرء المفاسد وذلك عندما يصالح النبي صلى الله عليه وسلم مشركي قريش في الحديبية مدة عشر سنين وهو بذلك يمكنهم من البقاء في مكة على شركهم وتدنيس البيت بالشرك ونصب الأوثان ويتضمن الصلح أيضًا ما جاء في صحيح البخاري ونصه (فلما أبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك كاتبه رسول