الصفحة 7 من 66

يمكن أن تدخل في فهم هذا التركيب وهي ما تلجأ إليه اللغة أحيانًا من استخدام الفعل المتعدي في حالة الإطلاق أي-بلا مفعول- ثم تعديته تعدية الفعل اللازم بحرف جر، مثال ذلك"عَضّه"التي قد تستخدم على هذا النحو"عَضّ عليه"؛ وإن كنا لا نميل إلى استخدام هذا التخريج في هذه المسألة، وربما تكون نافعة في تفسير التراكيب الأخرى.

ومما نختاره عشوائيًا من كتاب معجم الأخطاء الشائعة لمحمد العدناني قوله:

" (920) كلّفه العملَ"

ويقولون: كلّفهُ بالعمل عشر ساعات يوميًا. والصواب: كلّفه العمل عشر ساعات يوميًا. أي: أوجبه عليه. وكلّفه أمرًا: فرض عليه أمرًا ذا مشقّة.

وفي الآية 286 من سورة البقرة قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286] " [1] ."

والمتأمل للتراكيب يلاحظ أن كلّفه بالعمل تختلف عن كلّفه العمل، فكلّفه بالعمل أي أمره بالعمل، فلا بأس إذن بتعدية الفعل بالباء، وقد جاء الفعل معدًى بمن في قول جرير:

يكلفني فؤادي من هواه ... ظعائن يجتزعن على رماح

أما معنى الفعل في الآية الكريمة فهو"يُحمّل"أي لا يحمل الله نفسًا إلا وسعها.

وقد تصدّى بعض الباحثين المعاصرين لتصحيح ما عدّ من قبيل الأخطاء الشائعة، ونجد كثيرًا من ذلك في كتاب معجم الأخطاء الشائعة. وممن اهتم بهذه القضية اهتمامًا جيدًا أستاذنا الدكتور أحمد مختار عمر في كتابه الجيد العربية الصحيحة. وقد لمس الدكتور لبّ المسألة، وانتبه إلى مخاطر المبالغة والتشدد في استخدام معيارية ضيقة لا تحتملها اللغة ولا أصحاب اللغة، يقول الدكتور مختار:

"لقد شغل كثير من الباحثين أنفسهم -وشغلوا ابن اللغة العادي معهم- بتساؤلات تمس تعبيرات ربما لم تنقل بنصها عن العرب في عصور الاستشهاد ولكنها في نفس الوقت لا تخالف طبيعة اللغة وروحها، ولا تصادم قاعدة مقررة فيها وهي أدخل في باب الأسلوب منها في باب الصواب والخطأ، وقد تكون أثرًا من آثار التوليد والقياس ومحاكاة النظير .. فأي حرج في هذا؟!"

وأخشى ما أخشاه أن يأتي التشدد بنتيجة عكسية، وأن يحمل غالبية المستخدمين للغة على التمرد، وأن ينقلهم إلى حالة من اليأس تجعلهم يضربون بكل القيم والمعايير عُرض الحائط ويستخدمون ما يشيع على ألسنة الناس دون تثبت أو تحقق مطبقين حكمتهم المشهورة: خطأ مشهور خير من صواب مهجور.

ولعل القارئ يدرك مدى خطورة التشدد في قبول اللفظة أو العبارة حين يعرف أن كتابا مثل"معجم الأخطاء الشائعة"للأستاذ محمد العدناني-ولا أريد أن أغضّ من قدره فهو في نظري من أفضل ما كتب في

(1) محمد العدناني. معجم الأخطاء الشائعة (مكتبة لبنان. بيروت 1973 م) 221.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت