قال ابن فارس في مقاييس اللغة"الكاف والشين والفاء أصل صحيح يدل على سَرو الشيء كالثوب يُسرى عن البدن، يقال كشفت الثوب وغيره أكشفه"، وجاء في لسان العرب: الكشف: رفعك الشيء عما يواريه ويغطيه، كشفه يكشفه كشفًا وكشفه .."وفي أساس البلاغة"كشفت عنه الثوب .. ومن المجاز كشف الله غمه وهو كشاف الغمم"وقال الراغب الأصبهاني في مفردات غريب القرآن:"كشفت الثوب عن الوجه وغيره، ويقال كشف غمّه، قال تعالى {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [يونس:107] .
وهذا كتاب الله تعالى شاهدًا، قال تعالى في سورة (ق) {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق:22] . فالمكشوف هو الغطاء وما جرى مجراه من الحسيّات والمعنويات كالغم، وقد يحذف المفعول به كقوله تعالى في سورة النمل {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} [النمل:44] أي وكشفت ثوبها عن ساقيها كما يفعل الخائض للماء الضحل، ولابد للأشياء المادية كالكنوز، والمعنوية كالطاقات من استعمال"عن"فالفصيح أن يقال"الكشف عن الأمر الخفي والطاقات"قال الإمام علي (ع) على ما ورد في نهج البلاغة"فإن في الناس عيوبًا الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك"وفي كلام الله تعالى وكلام الإمام علي (عليه السلام) غنى عن تطلب الفصاحة في غيرهما" [1] ."
تزودنا النصوص التي ذكرها بأن التركيب الذي يرده قد مرّ بمراحل تغير، حيث كان في الأصل: كشفت عنه الثوب، ثم قد يستغنى عن ذكر المفعول المباشر وهو"الثوب"فوجدنا في القرآن"كشفت عن ساقيها"؛ ولكن الطور الأخير الذي لم يلتفت إليه الدكتور مصطفى جواد هو طور حذف حرف الجر"عن"، فعدّى الفعل إلى مفعوله غير المباشر تعدية مباشرة، أي بلا وسيط. ولا يحدث ذلك لبسًا؛ لأن المفعول المباشر الأصلي محذوف؛ فلسنا نجد تركيبًا على هذا النحو"كشفت ثوبها ساقيها"بل"كشفت ساقيها"، ولعل حذف حرف الجر"عن"نتج عن تضمين الفعل"كشف"الفعل"أظهر". ولا يقع اللبس أيضًا بسبب التلازم بين الكلمات فعند ورود الكشف مع الثوب وما في مقامه يكون المعنى إزالته، أما وروده مع الساق والأمر الخفي فالمعنى يكون إظهاره.
ومثال آخر قال:
"قل: ردّ فلان القول ولا تقل: رد على القول ويقولون: رددت على فلان، وذلك خطأ فإنه يقال"ردّ على فلان قوله"فالقول مردود وفلان مردود عليه، قال الإمام علي (ع) في كتاب له إلى الحارث الأعور الهمداني:"ولا تردّ على الناس كلّ ما حدثوك به، فكفى بذلك جهلا".ولم يقل: ولا تردّ على كل ما حدثوك به" [2]
ونكتفي بهذا، ويمكن الرجوع إلى الكتاب لقراءة بقية النصوص التي يستشهد بها المؤلف.
ويمكن القول إن هناك فرقًا بين رد القول والرد عليه؛ فرد القول هو عدم قبوله فلذا يرد ويرجع، أما الرد عليه فهو مقارعة الحجة بالحجة، أي الإتيان بقول يقابل القول، كأن القول صار خصمًا يرد عليه، وقضية أخرى
(1) مصطفى جواد. قل ولا تقل (ط 2، مطبعة أسعد. بغداد 1970 م) 1: 118.
(2) السابق 1: 119.