الصفحة 5 من 66

حركة التصحيح اللغوي حركة قديمة قدم الدرس اللغوي نفسه؛ بل لعلها سابقة له بمدى طويل. وليس هنا مجال تفصيل ذلك؛ ولكن الذي يهمنا أنه في بعض الأحيان يغفل القائمون على التصحيح ظروف التراكيب والاستخدامات اللغوية التي يقومون على تقويمها. فما يرونه من قبيل المخالفة اللغوية قد يكون له أسبابه الخاصة التي لا تجعله ظاهرة لغوية عامة. ومن ذلك المخالفات الشعرية؛ أي المخالفات اللغوية الواقعة في استخدام الشعراء. وقد نجد أن ما يظنه المصحح اللغوي خطأ- لأنه يقيسه على استخدام سابق- هو من قبيل التطور اللغوي، والاحتياج إلى أداء معنى جديد. والاستخدام القرآني فيه استخدامات لو قيست على ما سبقها من استخدامات أو عرضت على القواعد اللغوية المقررة لعدت مخالفات؛ ولكن القرآن يعطيها شرعية تجعل الدارسين يلجؤون إلى تخريجها لا إلى تقويمها. وقد لا يكون التخريج محاولة لفهم ظروف النص والخروج به من ملابسات المخالفة؛ فهو عملية توفيقية تحفظ للنص صحته وللقاعدة سلامتها.

وربما نجد أحيانًا بعض التعجل في التصحيح، والجرأة على فرض معيارية تهدر أسباب الظاهرة وملابساتها. ونحن نقول هذا متوجهين به بشكل عام إلى المتصدين إلى قضية التصحيح اللغوي. فطالما سمعنا وقرأنا من يصحح استخدام المحدثين للفعل"قَيَّمَ"؛فيجعله"قَوَّمَ". وهم يعتمدون في تصحيحهم هذا على الاستخدام اللغوي الأساسي المتصل بمادة الكلمة (ق/و/م) . وهم من هذه الجهة مصيبون؛ ولكنهم لا يلتفتون إلى قضية أخرى، وهي قضية حركة اللغة الدائبة التي تسعى إلى الوضوح والابتعاد عن اللبس. ولاشك أن لفظة (قوّم) احتملت بعض اللبس فهي تدل على تقويم الاعوجاج، وهذا ظاهر الصلة بـ"قوّم"وتدل على بيان قيمة الشيء، ومن أجل هذا عدلت اللغة عن"قوّم"- الدالة على بيان قيمة الشيء - إلى فعل جديد اشتق من اللفظة"قيمة"على عدّ"الياء"أصلية لا منقلبة عن"واو". ومن أجل هذا لم يجد مجمع اللغة العربية بأسًا في استخدامها.

ونختار هنا بعض الأمثلة التي عدها بعض الباحثين من الأخطاء الشائعة ويظهر بالتأمل أنها ليست من قبيل الخطأ. ومما نختاره عشوائيًا من كتاب قل ولا تقل لمصطفى جواد، قال:

"قل: كشف عن الأمر الخفيّ خفاءه."

ولا تقل: كشفت الأمر الخفيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت