الوجه الثاني: إطلاق المشقة على المقدور عليه وفيه مشقة معتادة، لا تخرجه عن المعتاد في الأعمال العادية، فهذه مشقة عادية يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق الضرر به، وإنما يكون وصفه بالمشقة باعتبار أنه نفس التكليف به زيادة على ما جرت به العادات قبل التكليف فيكون شاقًا على النفس بهذا الاعتبار، ولهذا أطلق عليه لفظ"التكليف"وهو في اللغة يقتضي المشقة، إذ تقول العرب: كلفته تكليفًا، إذا حمّلته أمر يشق عليه وأمرته به [9] قال الشاطبي [10] :".. فمثل هذا يسمى مشقة بهذا الاعتبار؛ لأنه إلقاء بالمقاليد، ودخول في أعمال زائدة على ما اقتضته الحياة الدنيا".
وهذا الوجه ليس محلًا لهذا البحث أيضًا، لأن هذا النوع من المشاق لم يدرأه الشارع، ولا تنفك عنه العبادة غالبًا، والتكليف بالمطالب الشرعية مع وجود هذا الوجه واقع فعلًا، فلا يكون له أثر في التخفيف وإسقاط التكاليف الشرعية.
يقول العز بن عبد السلام [11] ن هذا الوجه: (هذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات، ولا في تخفيفها، لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات، أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات والباقيات". وقال ابن القيم [12] :"إن كانت المشقة مشقة تعب، فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة"."
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه المشقة المعتادة تختلف باختلاف الأعمال فليس المشقة في الصلاة - مثلًا - كالمشقة في الصيام أو الحج أو الجهاد، ولكن كما قرر الإمام الشاطبي في الموافقات [13] أنّ"كل عمل في نفسه له مشقة معتادة فيه توازي مشقة مثله من الأعمال العادية، فلم تخرج عن المعتاد إلى الجملة".