الصفحة 9 من 31

وللإمام الشاطبي نظرة ثاقبة حين عد هذا النوع من الاستقراء بمثابة التواتر المعنوي قال رحمه الله عند كلامه عن العموم"فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملًا بالاستقراء، فلأنه عموم لفظي، فإذا ثبت اعتبار التواتر المعنوي ثبت في ضمنه ما نحن فيه" [38]

والذي يظهر لي: أنه إنّما قال:"ثبت في ضمنه"ولم يقل: ثبت بالتواتر المعنوي، لأنه ليس تواترًا معنويًا بالاصطلاح المعروف - كجود حاتم مثلًا - لأن ذلك وصف جزئي وهو كرم حاتم، فكل جزئية من أفعال كرمه تعود على هذا الوصف مباشرة بالإثبات، وهذا بخلاف إثبات الكلي باستقراء الجزئيات فإنها تتضمن المعنى العام الكلي من جزئيات مختلفة في مواضع مختلفة.

خامسًا: الدليل الخامس الدليل العقلي على درء المشاق في التشريع الإسلامي:

الدليل العقلي بما قرره العز بن عبد السلام [39] من أن العبد إنما يقوم بالأعمال تقربًا لله تعالى وتعظيمًا له جل وعلا، وليس في طلب عين المشاق توقيرًا ولا تعظيمًا، فلا تكون مطلوبة، يقول - رحمه الله - لا يصح التقرب بالمشاق، لأن القرب كلها تعظيم للرب سبحانه وتعالى، وليس في عين المشاق تعيظمًا ولا توقيرًا". وإذا لم تكون المشقة مقصودة فإن درأها يكون مقصودًا في التشريع إذا أخلت بأداء التكليف لخروجها عن المعتاد إذ لا يبقى حينها إلا ذات المشقة وهي غير مرادة."

ما قرره الشاطبي في الموافقات إذ بيّن أن وقوع المشقة غير المعتاد في التكليف يلزم منه التناقض في الشريعة وذلك منفي عنها، قال - رحمه الله -".. فإنه إذا كان وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة، وقد ثبت أنها موضوعة على قصد الرفق والتسير، كان الجمع بينهما تناقضًا واختلافًا، فهي منزعة عن ذلك."

ونخلص مما قرره العز بن عبد السلام والإمام الشاطبي أنّ الدليل الفعلي لدرء المشقة يتلخص في أمرين:

(1) إن الأعمال يقصد طلبًا للقربة، وطلب المشقة لذاتها لا قربة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت