وهذا الكلام لا يخلو من نظر، وقد تعقبه الشخ محمد رشيد رضا في تفسيره المنار [64] بما يكفي فقال:"وما استشكله من نوط ما لم يرد في الشرع بالعرف نظر ظاهر، فإن العلماء الذي ناطوا بعض المسائل بالعرف إنّما ذلك وقع منهم أفذاذًا أثناء البحث أو التصنيف، ويجوز أن يجهل كل فرد منهم العرف العام في كثير من المسائل، وما اجتمع علماء مصر أو قطر للبحث عن عرف الناس في أمر ومحاولة ضبطه وتحديده ثم عجزوا عن معرفته وأحالوا ذلك على العامة. فالرجوع إلى العرف فيما يشق على الناس، وما لا يشق عليهم لا بد منه، وهو لا يعرف إلاّ بمباشرة الناس وتعرّف شؤونهم وأحوالهم".
وخلاصة القول، أن كلا الضابطين صالح في مجاله لتحديد المشقة الجالبة للتيسير فما سهل سبيله منهما ضابطًا للمشقة في نظر المجتهد في المسألة المعينة بالبحث، وقوى مدركة منهما قدم على غيره، والله أعلم.
إذا اعتبرنا التقريب بقواعد الشرع والعرف ضابطين - على ما سبق ترجيحه - فإن الضابط الثالث هو عدم تلازم المشقة والتكليف، وذلك لأنّ المشقة إذا كانت ملازمة للتكليف ولا تنفك عنه كالصوم في النهار الأطول أو الحار، والمخاطرة بالنفوس في الجهاد، ونحو ذلك، فهذه المشاق لا توجب تخفيفًا في العبادة، لأنها قررت معها، وهذه المشقة وإن خرجت عن المعتاد بالنظر لغيرها من مشاق العبادات، فهي معتادة في مثلها من الأعمال العادية التي يقوم الناس بها وتقتضي التضحية بنفوسهم فهي بهذا الاعتبار ليست خارجة عن الاعتياد، كما أنها غير مقصودة للشارع بذاتها بل من جهة ما في ذلك من المصالح العائدة للمكلف، لأن في اعتبارها ترك للعبادة - كالجهاد مثلًا - ينجم عنه من الضرر ما يفوق الضرر الحاصل من تلك المشقة المصاحبة للجهاد، ولهذا لم تعتبر [65] .