والحديث ظاهر في إرادة التيسير، أما ترك ما فيه إثم فلا مشقة فيه من حيثية كونه تركًا، قال الشاطبي [29] "ولو كان قاصدًا للمشقة لما كان مريدًا لليسر ولا للتخفيف، ولكان مريدًا للحرج والعسر وذلك باطل".
ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في إتيان الرخص المشروعة وذلك في ما رواه الإمام أحمد في مسنده [30] ، (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه) .
وصف النبي صلى الله عليه وسلم للدين باليسر وأمره بالإيغال فيه برفق، ودليل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه [31] من قوله صلى الله عليه وسلم (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلاّ غلبه، فسددوا [32] وقاربوا [33] ) وهذا دليل على طلب اليسر وعدم الغلو وهو شامل للدين كله من عبادات، ومعاملات وفتوى، ودعوة لله تعالى، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وليس أدل على ذلك أن طلب اليسر كان وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنهما - حين بعثهما إلى اليمن فقال لهما:"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا [34] ."
وقال صلى الله عليه وسلم للصحابة في حادثة الأعرابي الذي بال في المسجد - وهو أمر متعلق بتغيير المنكر -"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". [35]
فالأمة مجمعة على عدم وقوع المشقة غير المألوفة في التكاليف الشرعية. قال الشاطبي [36] - بعد حكايته للإجماع -"وهو يدل على عدم قصد الشارع إليه".
رابعًا: الدليل الرابع الاستقراء:
وهو دليل اعتمده الإمام الشاطبي [37] ، وزبدة كلامة، أن تتبع الأحكام الشرعية دل على درء المشاق غير المعتادة في عدة جزئيات متفرقة في جمع أبواب الفقه، من ثبوت مشروعية الرخص قطعًا، وتناول المحرمات في الاضطرار، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة الإكراه مع اطمئنان القلب، والعفو في الصيام عما يشق الاحتراز من المفطرات كغبار الدقيق، إلى جزئيات كثيرة يحصل من مجموعها القطع بأن من مقاصد التشريع درء المشاق غير المعتادة.