الصفحة 16 من 31

والذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا الضابط الذي ارتضوه ليس أقوى من اعتماد العرف - الذي ارتضاه الإمام الشاطبي - في كل الحالات لا سيما وأن برر الاستشكال في عدم اعتبار العرف من اختلاف رتب العبادات، واختلاف الأعذار، فتختلف المشقة تبعًا لاختلافهما، لا يتحقق في بعض الحالات في كثير من المعاملات وقد سبق النقل عن القرافي وعن العز بن عبد السلام بأن المعاملات اكتفى فيها الشرع بمجرد الاسم، وفي الحرف يقتصر على مسماها دون مرتبة معينة.

فعلى القول باعتبار التقريب بقواعد الشرع ضابطًا، لا ينبغي رد العرف فيما تعتبر فيه العادة لا سيما في المعاملات والحرف ونحو ذلك، فرد العرف مطلقًا فيه نظر لأننا إذا رددناه لعدم ضبطه، فمثل ذلك يجري على التقريب بضوابط الشرع فما الذي يضبط المشقة الحاصلة من السفر، فهي مضطربة مختلفة باختلاف المكلفين وأحوالهم، وما ضابط الأذى الموجب للحلق، فيما يجري على العرف يجري على ما ارتضوه ضابطًا، وإذا كان الأمر يرجع إلى المجتهد في تقرير الفحص بقواعد الشرع وضبطه باجتهاده، فلم لا يرجع ضبط العرف إلى اجتهاد المجتهد وضبطه بالنظر والاجتهاد لتقرير المسألة محل البحث؟.

وقد أوضح القرافي [63] بعد أستشكاله للعرف فقال:"إن الفقهاء يحيلون على العرف عند سؤالهم مع أنّهم من أهل العرف، فلو كان هناك عرف قائم لوجوده معلومًا لهم أو معروفًا ولا تصح الإحالة على غير الفقهاء؛ لأنه ليس بعد الفقهاء من أهل العرف إلاّ العوام، وهم مما لا يصح تقليدهم في الدين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت