(2) إن القول بوقوع المشقة غير المعتادة في التكليف يلزم منه التناقض والشريعة منزهة عنه.
تتلخص حكمة درء المشاق غير العادية فيما يلي:
لما كان التشريع من عند الله تعالى وهو الخبير بخلقه، اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يتناسب التشريع مع صفات ذلك المخلوق الضعيف رحمة به، حتى تتجلى حكمته في تحبيب الطاعة في قلب المؤمن (حبّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) الحجرات (7) وتلك طبيعة الرسالة الخاتمة الشاملة.
وللإمام الشاطبي - رحمه الله - عبارة رشيقة جاءت عند كلامه عن الأوامر والنواهي [40] نسوق بعضها فنقرأ قوله:"لما كان المكلف ضعيفًا في نفسه، ضعيفًا في عزمه، ضعيفًا في صبره، عزره ربه الذي علمه كذلك وخلقه عليه، فجعل له من جهة ضعفه رفقًا يستند إليه في الدخول في الأعمال، وأدخل في قلبه حب الطاعة قواه عليها .. فإذا دخل العبد في حب الخير انفتح له يسر المشقة وصار الثقيل عليه ضعيفًا، فتوخى مطلق الأمر بالعبادة بقوله (وتبتل إليه تبتيلًا) المزمل (8) و (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون) الذاريات (56) ."
ويؤكد هذا المعنى قول ابن القيم [41] - رحمه الله - في سياق كلامه عن سماحة الشريعة:"ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته لخلقه".