الصفحة 19 من 31

ومن أمثلة ذلك في عصرنا - ما سُمي في الغرب بموت الرحمة - وهو طلب المريض قتله لما يصيبه من مشقة غير معتادة لمرض مزمن يعجز الطب عن علاجه، فمثل هذه المشقة لا تدرأ بقتل المريض لمخالفة ذلك النصوص والقواعد الشرعية الداعية لحفظ النفس واعتبارها من الكليات الأساسية وتحريم قتلها بغير حق الثابت بالأدلة القاطعة.

فالمشقة التي يراعى فيها الا تكون نادرة الوقوع فإن كانت كذلك فإنها لا تراعي قال الزركشي [69] ".. إذا كانت المشقة وقوعًا عامًا فلو كان نادرًا لم تراع المشقة فيه". قال:"ولهذا تتوضأ المستحاضة لكل فريضة لوقوعها نادرًا، ولو نسي أربع صلوات من صلوات أربع أيام فلم يعلم أنها متفقة أو مختلفة، فإنه يحتاج لصلاة عشرين صلاة ليسقط الفرض بيقين وإن كان في ذلك مشقة عليه". وذلك لأن وقوع مثل هذه المسألة نادر الحدوث.

فإن كان المشقة العظيمة في فعل لا يعسر اجتنابه، فهذا لا تدرأ مشقته وإن عظمت؛ لأن اجتنابه ميسور، ومثّل له العز بن عبد السلام ببيع الأعيان الغائبة، فهذا لا يعفى عنه.

أما كان مما يعسر اجتنابه ولأن من تحمله كبيع البيض في قشره والرمان والبطيخ، والنظر إلى أساس الدار، فهذا ونحوه لا يشترط درأه لما يصاحبه من مشقة غير معتادة .. وبالجملة فإن معرفة ضوابط المشاق وشروط درئها يرجع إلى اجتهاد الفقيه، وهو لا يكاد يصيب الحقيقة إلاّ أن ينظر إلى مقام الفعل المكلف به وأهميته في نفسه، ثم إلى مقدار العسر والضرر الذي يلحق المكلف من الدخول فيه والنظر فيما إذا كان الدوام عليه يؤدي إلى انقطاعه عنه، أو عن بعضه، أو وقوع خلل في صاحبه أو في حاله أو حال من أحواله مستصحبًا للشروط والضوابط المذكورة تجنبًا للزلل في الحكم للإضراب الحاصل في حقيقة المشقة.

المقصد السادس: المشاق المصاحبة للتكليف لا تقصر لذاتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت