فمن حيث أصول القواعد ومصادرها، فمن القواعد ما كان أصله من كتاب أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست مستخرجة من الفروع الفقهية فحسب، أو تكون القاعدة نفسها نصًا من السنة، فهي قبل أن تكون قاعدة جرت على ألسنة الفقهاء دليل شرعي، وكونها أصبحت قاعدة فقهية لا يخرجها عن كونها دليلًا شرعيًا، فنحو (لا ضرر ولا ضرار) [47] وقاعدة (البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر) [48] ونحوهما فهذه القواعد أدلة شرعية قبل أن تكون قواعد مرعية.
ونخلص من هنا أن القواعد ثلاثة أنواع:
(أ) ما يستخرج من الفروع الفقهية ويكون ثمرة لها.
(ب) ما يستند على أدلة شرعية واضحة وينبني عليها، كقاعدة (المشقة تجلب التيسير) .
(ج) ما يكون دليلًا شرعيًا في نفسه نحو (لا ضرر ولا ضرار) فالنوع الثالث دليل بنفسه وهو ظاهر، والنوع الثاني يشبه الأدلة في قوتها لقوة الأدلة التي أنبنى عليها. ولهذا فإنّ كلامهم عن عدم اعتبار القواعد أدلة إنّما يُنَزّل على النوع الأول وهو يمثل أغلب القواعد الفقهية.
ونخلص من هذا المقصد بأن القول بعدم اعتبار القواعد أدلة شرعية لا يضر فيما نحن بصدده من تقرير أن درء المشقة مقصد شرعي اصيل يتوجب على المجتهد مراعاته واصطحابه عند كل فتوى أو حكم شرعي.
اتفقت عبارات الفقهاء الذي ألفوا في قواعد الفقه - كالعز بن عبد السلام [49] ، والقرافي [50] ، والزركشي [51] ، والسيوطي [52] ، وابن نجيم [53] ، على أن التكليف تصاحبه غالبًا أنواع ثلاثة من المشاق:
الأول: