هذا المقصد وهو الأخير في البحث تكملة لموضوع البحث وصلته به أنّ المشاق:
-منها ما يدرأ، وهو المشقة غير المعتادة.
-ومنها ما لا يدرأ، وهو ما كان ملازمًا للعبادة بحيث لا ينفك عنها كالمخاطرة بالنفوس في الجهاد، أو كانت مشقته معتادة.
والقسمان الأخيران مما لا تدرأ مشقته لا يقصد لذاته بل من جهة ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلف.
وحصيلة المقاصد السابقة أن المشقة غير العادية تدرأ في التشريع الإسلامي، ومحصلة هذا المقصد أن ما لا يدرأ من المشاق لا يكون مقصودًا لذاته وبالأولى ما كان حقه أن يدرأ منها، وقد أورد الشاطبي [71] ، والعز بن عبد السلام [72] أدلة عدم قصد المشقة في التشريع الإسلامي، وأورد الاعتراضات الواردة عليها وأجابا عنها، وصفوة ما حرراه:
(1) إن موارد الشرع ومصادره ناطقة بأن مطلوب الشرع إنما هو مصلحة العباد، وليست المشقة مصلحة، ولا تلازم بين قصد المشقة وقصد التكليف من جهة كونه مصلحة للمكلف عاجلًا أو آجلًا، بل هو بمثابة أمر الطبيب باستعمال الدواء المر، وليس غرضه إلا الشفاء، وقطعه لليد المتآكلة وليس مقصده إلا حفظ مهجته فلا يشكل على هذا استلزام التكليف للمشقة.
(2) إن حصول الثواب على المشقة لا يستلزم قصدها؛ لأن الثواب حاصل من حيث كانت المشقة لابد من وقوعها، وبها حصل العمل المكلف به، فرتب الشارع عليها أجرًا زائدًا على أجر إيقاع المكلف به، ولهذا يحصل الثواب بسبب المشاق وإن لم تتسبب عن العمل المطلوب كما يكفر عن السيئات بسبب لحوق المصائب والمشاق بدليل حديث عائشة رضي الله عنها [73] : (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله به من سيئاته) .
وقد قرر العز بن عبد السلام [74] أن الثواب على الصبر والرضا على المصائب وليس عليها لذاتها فقال:"ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور وهو خطأ صريح؛ فإن الثواب والعقاب إنما هو بالكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا".