الصفحة 2 من 31

الوجه الأول: شموله لغير المقدور عليه من التكليف بما لا يطاق، فإنه يسمى مشقة من حيث إيقاع من تطلب حمله في عناء وتعب لا يجدي - كالمقعد إذا تكلف القيام، والإنسان إذا تكلف الطيران، ونحو ذلك - وهذا النوع ليس محطًا للبحث فيما نحن بصدده وقد منع وقوعه أكثر العلماء من أصحاب المذاهب المعتبرة كما هو مقرر في مظانه من كتب الأصول [4] وغيرها.

وقد حرر ابن تيمية [5] وتلميذه ابن القيم [6] - رحمهما الله - هذه المسألة بما يحقق الإجماع على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق، مع اختلاف العلماء في جواز الأمر به [7] ، وحصرا الخلاف في دخول الفعل المختلف فيه فيما لا يطاق أو عدم وصفه بذلك، فيكون الخلاف في تحقق هذا الوصف - مالا يطاق - في ذلك الفعل. ومثلا لذلك باختلافهم فيما تعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه مما هو ممكن في ذاته عقلًا وعادة، كإيمان من بلغته الدعوة ومات كافرًا، فهذا لا نزاع في التكليف به، لكن هذ يطلق عليه أنّه مما لا يطاق؛ باعتبار أنه غير مقدور للمكلف بالنظر إلى تعلق المشيئة بعدم وقوعه، أم هو مقدور للمكلف القدرة المصححة التي هي مناط التكليف وشرط فيه، فلا يكون داخلا فيما يطاق.

قال ابن القيم - رحمه الله - في سياق حديثه عن أنواع الفعل بالنسبة إلى التكليف وفي النوع الثاني مما لا يطاق".. اتفق الناس على أنه لا يطاق، وتنازعوا في جواز الأمر به، ولم يتنازعوا في عدم وقوعه، ولم يثبت بحمد الله أمر اتفق المسلمون على أنه لا يطاق، وقالوا: إنّه يكلف به العبد ولا اتفق المسلمون على فعل كلف به العبد وأطلقوا القول عليه بأنّه لا يطاق [8] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت