بيتي. قالت فقمت فتنحيت في البيت قريبا. فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما. قال: واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى فقبل فاطمة، وقبل عليا فأغدف عليهم خميصة سوداء، فقال:"اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي"قالت فقلت: وأنا يا رسول الله، فقال:"وأنت")) [1] .
واضح من تلك الروايات-الموافقة للرواية الشيعية- أنها حصرت أهل البيت في علي و فاطمة و الحسن و الحسن من جهة، و أقصت زوجة النبي أم سلمة و أخرجتها من أن تكون من أهل بيت النبي- عليه الصلاة و السلام- من جهة أخرى.
و تلك الروايات لا تصح بدليل المعطيات و الشواهد الآتية: أولها إن أسانيدها لا تصح، فالأولى بطرقها الثلاثة في رجالها ضعفاء، منهم: عبد الملك بن أبي سليمان، و داود بن أبي عوف الحجاف، و شهر بن حوشب [2] . و الثانية في إسنادها من رجالها: محمد بن سليمان بن الأصبهاني، و هو ضعيف [3] . و الثالثة من رجالها: عطية الطفاوي، و هو ضعيف أيضا [4] .
و الشاهد الثاني إنها تخالف المعنى الحقيقي الصحيح الدقيق لمفهوم أهل البيت الذي سبق أن ذكرناه و أثبتنا صحته بالقرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة الموافقة له. و ما يُخالفه فهو غير صحيح بالتأكيد.
و الثالث مفاده هو أن حادثة أم سلمة التي روتها تلك الروايات، هي نفسها رُويت من طرق أخرى، و بمضمون أساسي مُخالف لجانب لما قررته تلك الروايات-الموافقة للرواية الشيعية-، و هو أنه لم يُخرج زوجة النبي أم سلمة من أهل البيت و جعل الجميع منتميا إليه. و هذا دليل على أن الحادثة بذاتها تعرّضت للزيادة و النقصان، بسبب تلاعب الرواة بها لغايات في أنفسهم. و سنذكر منه ثلاث روايات:
أولها رواها الذهبي بقوله: (( روى عبد الله بن لهيعة، عن عمرو بن شعيب قال: حدثتني زينب بنت أبي سلمة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان عند أم سلمة، فجعل الحسن في شق، والحسين في شق، وفاطمة في حجره فقال: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد وأنا وأم سلمة جالستان، فبكت أم سلمة، فقال: ما يبكيك قالت: خصصتهم وتركتني وبنتي، قال: أنت وابنتك من أهل البيت ) ). ثم قال الذهبي:"هذا حديث جيد السند" [5] .
و الرواية الثانية من رواية أبي بكر البيهقي بإسناده: (( أخبرنا أبو عبد الله الحافظ غير مرة ... عن عطاء بن يسار عن أم سلمة قالت: في بيتى أنزلت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
(1) أحمد بن حنبل: المصدر السابق، ج 6 ص: 296.
(2) العقيلي: الضعفاء الكبير، ج 1 ص: 30. و الذهبي: المغني في الضعفاء، ج 1 ص: 216. و ابن حجر: تقريب التهذيب، ج 1 ص: 179، 421.
(3) العقيلي: نفس المصدر، ج 7 ص: 219. و الذهبي: نفس المصدر، ج 1 ص: 70.
(4) ابن حجر: لسان الميزان، ج 4 ص: 131.
(5) الذهبي: تاريخ الإسلام، ط1، دار الكتاب العربي، بيروت، 1987، ج 5 ص: 406.