و أما بالنسبة للروايات الشيعية التي ذكرت نماذج من الآيات التي تعرّضت للتحريف حسب زعمها، فهي أيضا لا تصح، بدليل الشواهد الآتية: أولها هو أن هذه النماذج سيق أن بينا عدم صحة أسانيدها، و هذا ينعكس سلبا على متونها فُيضعفها و يُفقدها مستندها التاريخي.
و الشاهد الثاني هو أن ما ذكرناه من الشواهد السابقة في إبطال رواية التحريف الكلية ينطبق أيضا على هذه الروايات الجزئية. فبما أن عملية التحريف لم تحدث أصلا، فهذا يعني بالضرورة أن هذه التحريفات الجزئية لم تحدث أصلا.
و الشاهد الثالث هو أن المتدبر في تلك الآيات المحرفة يتبين له أن الكلمات التي أُضيفت إليها هي عبارات مُقحمة و ليست من طبيعة النص، لأنها لا تنسجم معه، و لا مع سياقه و إيقاعه. من ذلك قولها:"ومن يطع الله ورسوله (في ولاية علي [وولاية] الأئمة من بعده) فقد فاز فوزا عظيما"هكذا نزلت [1] . فواضح من ذلك أن هذه الآية مُحرفة، و أُدخل فيها ما ليس منها، و هو عبث مكشوف و تحريف مُتعمد عن سبق إصرار و تعمد.
و الشاهد الرابع هو أن ما قررته تلك العبارات المُقحمة في نص الآية لا يصح، و مُخالف ليقينيات الشرع و حقائقه. و تفصيل ذلك هو أن تلك الآيات المحرفة نصت على وصية و إمامة علي و بنيه، و وجوب الإيمان بهم و بولايتهم. و هذا لا يصح، و مُخالف لما نص عليه القرآن الكريم- في آيات كثيرة جدا- بوجوب الإيمان بالله و رسوله و الرد إليهما فقط، و تعليقه للنجاة بطاعتهما فقط، و عصيانهما يُؤدي إلى الهلاك و سوء المصير. كما أنه جعل الخلافة شورى بين المسلمين تتم بالرضا و الاختيار، و لم يجعلها وراثية، و لا حصرها في شخص بعينه و لا في أسرة مُحددة، و هذا كله ينقض مزاعم تلك الآيات المحرفة. و الشواهد الشرعية على ما ذكرناه كثيرة جدا، منها قوله سبحانه: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} -سورة الأحزاب:36 - ، و {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} -سورة الجن:23 - ، و {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} -سورة الفتح:17 - ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} -سورة النساء:59 - ، و {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} -سورة الشورى:38 - ،و {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} -سورة آل عمران:159 - .
و الشاهد الأخير- الخامس- هو أن تلك الآيات المزعومة لا وجود لها في المصحف الحقيقي البكري العثماني الموجود بين يدي الناس. و هذا يعني-بالضرورة- أنها آيات باطلة مُحرّفة مُختلقة من دون شك و لا ريب. و هذا دليل قطعي دامغ يكفي وحده لنسف روايات التحريف كلها.
(1) الكليني: الكافي، ج 1 ص: 454.