فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 181

ثم تذكر الرواية السنية أنه في أيام الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وُحّد القرآن الكريم حرفا و قراءة اعتمادا على المصحف البكري الإمام. و تفصيل ذلك هو ما رواه البخاري بقوله: (( حدثنا موسى، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان و كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. و قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، و أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق ) ) [1] .

فواضح من ذلك أن القرآن الكريم جُمع في مصحف واحد بأمر من الخليفة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-،و لم يُوزع على المسلمين لأنه كان مصحفًا واحدا عندهم؛ و إنما الذي حدث هو أنه جُمع في مصحف واحد من نسخه الأصلية التي كتبت بين يديّ النبي-عليه الصلاة و السلام. ثم في زمن الخليفة عثمان -رضي الله عنه- وُحد المصحف حرفا و قراءة على أساس من المصحف البكري الإمام. فهذا المصحف الموحد يمكن تسميته بالمصحف الإمام البكري العثماني. و قد حدث كل ذلك-حسب الرواية السنية- بإجماع من الصحابة، و تحت إشراف و رعاية و أمر من خليفة المسلمين، و في ظل دولة الخلافة الراشدة. و واضح أيضا أن الذي حدث للقرآن كان عملا يهدف إلى الاهتمام أكثر بالقرآن: حفظا و عناية وحرزا، خوفا من أن يُصيبه مكروه. فهو خطوة استباقية احترازية، لمزيد من العناية و الحفظ لكتاب الله، و لم يكن تحريفا له، و لا ردا على محاولة تحريفه و التلاعب به.

و أما الرواية الشيعية فتتضمن طائفة من الروايات تتعلق بجمع القرآن الكريم، لها فيها رأي مُخالف للرواية السنية، أذكر منها ما يأتي: أولها ما رواه أبو جعفر الكليني (ت 328 أو 329 هجرية) ، عن: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام عن جابر قال: سمعت أبا جعفر الباقر يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب و الأئمة من بعده [2] .

(1) البخاري: نفس المصدر، ج 6 ص: 183، رقم الحديث: 4987. و الترمذي: السنن، حققه أحمد شاكر و آخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 4 ص: 347. و النسائي: السنن الكبرى، ج 6 ص: 7.

(2) أبو جعفر الكليني: الأصول من الكافي، ط 2، دار الكتب الإسلامية، طهران، ج 2 ص: 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت