فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 181

ثم أن هذا التاريخ المتناقض-تاريخ صدر الإسلام- صنع تاريخا متناقضا آخر نتج عن الأول. تجلى ذلك في فِرق الشيعة و دولها و مذاهبها، و فِرق أهل السنة و دولها و مذاهبها. و دخلت تلك الطوائف في نزاعات مذهبية عنيفة و صراعات سياسية دامية، ما تزال آثارها و نتائجها قائمة و مستمرة إلى يومنا هذا من جهة، و ما يزال ذلك التاريخ المتناقض يصنع التناقض إلى يومنا هذا بين ممثليه من جهة أخرى. و كلامنا هذا ثابت متواتر مشهود لا يحتاج إلى توثيق. و هذا التاريخ المتناقض يمثل حاليا مانعا قويا و حاجزا يحول دون الأمة من أن تحل تناقضاتها و تستعيد وحدتها.

و ثانيا إن ذلك التاريخ المتناقض بما أنه يتضمن كمًا كبيرا من المرويات المكذوبة و الصحيحة من جهة، و قد تفاعل الناس معه، و ساهم في صنع حياتهم، فهو قد أنتج لنا أيضا كما كبيرا آخر من المرويات المكذوبة و الصادقة من جهة أخرى. و هذه العملية ما تزال مستمرة إلى يومنا هذا، و واقعنا اليوم يشهد بقوة على حدة الصراع المذهبي القائم بين المرويات السنية و الشيعة. و كتابنا هذا هو شاهد مادي على ما نقول.

و تُمثل المرويات الشيعية المكذوبة قسما كبيرا من ذلك التراث الموروث، فهي روايات قامت أساسا لخدمة أفكار مذهبية مخالفة للشرع صراحة، و لكي يتم لها ذلك اختلقت أخبارا كثيرة تنفي بها ما يُخالفها، و تثبت بها أفكارها و ما يُوافقها من الروايات. و لهذا كَثُر الكذب على علي بن أبي طالب و آل بيته-رضي الله عنهم- على أيدي عدد كبير من الرواة الكذابين الذين تخصصوا في اختلاق الروايات و تحريفها [1] ، فكانت مروياتهم كثيرة جدا لكثرة عددهم، و احترافهم للكذب و التحريف!!. و قد نقل المحقق ابن قيم الجوزية عن بعض أهل العلم أنه قال: وُضعت من فضائل علي و أهل البيت نحو ثلاثمائة ألف حديث. ثم قال: إن هذا غير مستبعد، فلو تُتبع ما عند الرافضة من تلك الروايات لوجد الأمر كذلك [2] . حتى قال شعبة بن الحجاج، و حصين بن عامر: (( ما كُذب على أحد من هذه الأمة ما كُذب على علي - رضي الله عنه - ) )، و قال محمد بن سيرين: عامة ما يُروى عن علي بن أبي طالب باطل [3] .

و ثالثا إنه تبين أن الروايات الشيعية-بما تحمله من معطيات- كانت في الغالب الأعم مخالفة و مصادمة لمعطيات القرآن الكريم و السنة الصحيحة المطابقة له، و للتاريخ الصحيح الموافق له أيضا. و قد ضربنا على ذلك أمثلة كثيرة جدا كالتي تتعلق بجمع القرآن و حفظه، و إيمان الصحابة و صلاحهم، و الشورى و الخلافة. فهي إذن روايات مذهبية لا أساس صحيح لها من الشرع الصحيح و لا من التاريخ الصحيح، و لا من العقل الصريح أيضا، لأن ما يُخالف حقائق الشرع لا يكون عقلانيا بالضرورة.

كما أنها-أي الروايات الشيعية- تحمل فكرا مذهبيا مناقضا و هادما لدين الإسلام و تاريخ ظهوره و تطوّره. و هذا أمر سبق أن ذكرنا نماذج كثيرة منها، كقولها بتحريف القرآن الكريم، و كفر الصحابة، فماذا يبقى للإسلام بعد القول بمثل هذه الأباطيل و المفتريات؟!. و منها أيضا قولها بالإمامة و عصمة الأئمة و وجوب الإيمان بهم و تكفير من لم يُؤمن بهم، و أن كلامهم شرع و مقدس، و يعلمون ما كان و ما سيكون [4] . فهؤلاء في الحقيقة ليسوا أئمة بمعنى العلماء الذين يأتم بهم الناس، و إنما هم في الحقيقة أنبياء، و أكثر مكانة من الأنبياء و الرسل. فهذا الزعم الباطل هو نقض لمبدأ ختم النبوة بمحمد- عليه الصلاة و السلام - الذي نصّ عليه القرآن الكريم و السنة النبوية، و شهد على صحته التاريخ قديما و حديثا.

و هي أيضا قد أنكرت بعض أركان الإسلام و الإيمان صراحة، و أدخلت فيها ما ليس منها. فإذا كان القرآن الكريم نصّ في آيات كثيرة على أن أركان الإيمان الأساسية هي: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} -سورة البقرة:285 - .،و قال سبحانه: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} -سورة البقرة:177 - .

و قال النبي-عليه الصلاة و السلام: (( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ) ) [5] ؛ فإن الرواية الشيعة نصت على لسان إمامها الباقر أن الإسلام بُني (( على خمس: الصلاة، والزكاة، والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية ) ) [6] .، فأخرجت الشهادتين و جعلت محلهما الولاية و فضلتها على كل الأركان!!. و في رواية أخرى حصرت أركان الإسلام في ثلاثة فقط، فروت عن إمامها جعفر الصادق أنه قال: (( أثافي-أركان- الإسلام ثلاثة: الصلاة والزكاة والولاية، لا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها ) ) [7] ، لاحظ اختفاء الشهادتين و الحج. ثم بلغ بها ضلالها و انحرافها أنها ألحقت مع الهدف الأساسي للنبوات الذي هو التوحيد و العبودية لله تعالى، ألحقت به ولاية علي و بنيه، فزعمت أن إمامها جعفر الصادق قال: (( ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيا قط إلا بها ) ) [8] . و في

(1) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه، ص: 47، 79.

(2) نقد المنقول، ط 1، بيروت دار القادري، 1990، ص: 105.

(3) الذهبي: المصدر السابق، ج 2 ص: 171.و تذكرة الحفاظ، ج 1 ص: 82.و السير، ج 4 ص: 154 - 155.

(4) سبق توثيق هذه الأفكار التي قالت بها الرواية الشيعية.

(5) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 11.

(6) الكليني: الكافي، ج 2 ص: 35.

(7) نفسه، ج 2 ص: 35.

(8) نفس المصدر، ج 1 ص: 7. و المفيد: الأمالي، ج 1 ص: 320.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت