فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 181

عمة رسول الله- صلى الله عليه و سلم- و حواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين. فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعاه )) [1] .

و نفس الرواية وردت مختصرة في مسند أحمد: (( حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: لما توفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قام خطباء الأنصار فجعل منهم من يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان: أحدهما منكم، والآخر منا. قال: فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك. قال: فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان من المهاجرين، وإنما الإمام يكون من المهاجرين، و نحن أنصاره، كما كنا أنصار رسول- الله صلى الله عليه وسلم- فقام أبو بكر فقال: جزاكم الله خيرا من حي يا معشر الأنصار، وثبّت قائلكم، ثم قال: و الله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم ) ) [2] .

و الشاهد الثالث مفاده أن أبا بكر الصديق-رضي الله عنه- بُويع مرتين: البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، و البيعة العامة ـ تمت في المسجد بعد الأولى-،و هذا ما رواه البخاري بإسناده: (( حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، و ذلك الغد من يوم توفي النبي- صلى الله عليه وسلم- فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى يدبرنا، يريد بذلك أن يكون آخرهم، فإن يك محمد- صلى الله عليه وسلم- قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به، هدى الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- وإن أبا بكر صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثاني اثنين فإنه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه. و كانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، و كانت بيعة العامة على المنبر. قال الزهري عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة ) ) [3] .

و الشاهد الأخير- الرابع- يتعلق بخطبة أبي بكر في الناس ليُبايعوه، فروى الحاكم -و غيره- بإسناده: (( حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، ثنا الفضل بن محمد البيهقي، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن سعد بن إبراهيم قال: حدثني إبراهيم بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-، و أن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم و قال: و الله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغبا، ولا سألتها الله عز و جل في سر و علانية، و لكني أشفقت من الفتنة و مالي في الإمارة من راحة، و لكن قلدت أمرا عظيما مالي به من طاقة ولا يد، إلا بتقوية الله عز و جل، و لوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم. فقبل المهاجرون منه ما قال و ما أعتذر به. قال علي -رضي الله عنه- و الزبير: ما غضبنا إلا لأنا قد أخرنا عن المشاورة و إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله- صلى الله عليه و سلم- إنه لصاحب الغار و ثاني اثنين، و إنا لنعلم بشرفه و كبره، و لقد أمره رسول الله- صلى الله عليه و سلم بالصلاة بالناس و هو حي ) ) [4] .

و أما بالنسبة لموقف علي و الزبير و من معهما- حسب الرواية السنية، فهو قد اتضح جليا من الشواهد السابقة، فرواية الشاهد الأول أشارت إلى مخالفة علي و الزبير و من معهما لما حدث في سقيفة بني ساعدة و بيعة أبي بكر في النهاية. و رواية الشاهد الثاني أشارت إلى غياب هؤلاء عن البيعة في المسجد، فأرسل أبو بكر يطلبهما، فلما حضرا أنبهما، فبايعاه طواعية من دون إكراه. و في رواية الشاهد الأخير-الرابع- ذكر علي و الزبير-رضي الله عنهما- سبب غضبهما و امتناعهما، فلم يفعلا ذلك إلا لأنهما أُخرا عن المشاورة، و إلا فهما لا ينكران فضل أبي بكر، و أنه أحق الناس بالخلافة بعد النبي-عليه الصلاة و السلام- لفضله و مكانته في الإسلام.

و بذلك يتبين-من الرواية السنية عن حادثة السقيفة - أن الصحابة اختلفوا فيما بينهم حول: من يتولى منهم الخلافة , و لم يختلفوا في موقفهم منها: فهل هي بالتعيين و الوصية و الوراثة، أم هي بالشورى و الرضا و الاحتيار؟. فالأمر كان عندهم واضحا محسوما، بأنها شورى بينهم. فكان اختلافهم هذا تطبيقا عمليا لذلك المبدأ، انتهى في النهاية باختيار أبي بكر الصديق خليفة بالإجماع، من دون أية معارضة، و لا سب و لا قتال، و لا تآمر و لا مواجهات.

و أما الرواية الشيعية فهي لها توجهاتها و أخبارها المذهبية المخالفة لما ذكرته الرواية السنية. فمن ذلك رواية مطولة ذكرها الطبرسي: (( عن أبى المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجال ثقة، قال: ... ثم اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة وجاءوا به إلى سقيفة بني ساعدة، فلما سمع بذلك عمر اخبر بذلك أبا بكر فمضيا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، وفي السقيفة خلق كثير من الأنصار وسعد بن عبادة بينهم مريض فتنازعوا الأمر بينهم فآل الأمر إلى أن قال أبو بكر في آخر كلامه للأنصار: إنما ادعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو عمر وكلاهما قد رضيت لهذا الأمر وكلاهما أراهما له أهلا. فقال عمر و أبو عبيدة: ما ينبغي لنا أن نتقدمك يا أبا بكر و أنت أقدمنا إسلاما و أنت صاحب الغار وثاني اثنين فأنت أحق بهذا الأمر و أولى به فقال الأنصار: نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا و لا منكم، فنجعل منا أميرا ومنكم أميرا ونرضى

(1) البيهقي: السنن الكبرى، ج 9 ص: 143.

(2) أحمد بن حنبل: المسند، ج 5 ص: 186.

(3) البخاري: المصدر السابق، ج 9 ص: 81.

(4) الحاكم: المستدرك، ج 3 ص: ص: 70. و البيهقي: المصدر السابق، ج 8 ص: 152. و ابن كثير: البداية، ج 5 ص: 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت