فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 181

، وأنتم معشر المهاجرين رهط و قد دفت دافة [1] من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت-هيأت- مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر و الله، ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب [2] ،منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف. فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته و بايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار، و نزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: و إنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا )) [3] .

و نفس الرواية أوردها ابن حبان في صحيحه مع بعض الاختلافات، فقال: (( أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا هشيم قال سمعت الزهري يحدث عن عبيد الله بن عبد الله قال: حدثني ابن عباس قال: ... فجلس عمر على المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: ... ألا و إنه بلغني أن فلانا قال: لو قد مات عمر بايعت فلانا، فمن بايع امرءا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له، ولا للذي بايعه، فلا يغترن أحد فيقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ألا وإنها كانت فلتة إلا أن الله وقى شرها، وليس منكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، ألا و إنه كان من خيرنا يوم توفى الله رسوله -صلى الله عليه و سلم-، إن المهاجرين اجتمعوا إلى أبي بكر، و تخلف عنا الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ننظر ما صنعوا فخرجنا نؤمهم، فلقينا رجلان صالحان منهم فقالا: أين تذهبون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا من الأنصار قال: فلا عليكم أن لا تأتوهم اقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت: والله لا نرجع حتى نأتيهم فجئناهم، فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة، وإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة قلت: ما له

(1) الدافة هي الجماعة من الناس التي تأتي من بلد إلى بلد. نفس المرجع، ص: 330.

(2) الجذْل: عودُ يُنْصبَ للإبل الجَرْبى تحتكُّ به فتستشفى. والمحكَّك: الذي كَثرُ به الاحتكاك حتى صار مًُملَسّا. و المرجب: المدْعُوم بالرُّجْبه وهي خشبة ذات شُعْبتين ; وذلك إذا طال وكَثُر حمله. والمعنى: إني ذُو رأي يَسْتَشفْى بالاستضاءة به كثيرًا. الزمخشري: الفائق في غريب الحديث، ط 2، دار المعرفة، بيروت، ج 1 ص: 201.

(3) البخاري: الصحيح، ج 8 ص: 168 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت