وفي روايةِ: أَخَذَ مِن شارِبي على سِواكِ.
وهذا مِن أحسن ما وَرَدَ في الحديثِ في صِفَةِ الأخذِ مِنَ الشَارِبِ، فإنه صَريحْ في استِعمالِ لفظ القَصً، وهُوَ الأخْذُ مِنَ الشَعْرِ لا إزالَتُهُ، بلْ قَطَعَت بهِ الرواية الثانيةُ، ثم إن القَصَ على سِواكِ إنما يُتَصوَرُ فيهِ أن يوضَعَ عود السواكِ تحتَ الشاربِ على الشَفَةِ العُليا، فما زادَ مِنَ الشعر قُطِعَ.
فهذا الحَديث مُفَسر أن تلكَ الأوامِرَ إنما أريدَ بها قَصُ الشارِبِ والأخْذُ منه لا حَلقه، واستُعمِلَت ألفاظُ الحَف والإحفاءِ والجَز والنهكِ للدلالةِ على مبالغَة القَص لا الحَلقِ.
الثانيَه: ما جاء مِن فِعلِ عَبدِ اللّهِ بنِ عُمَرَ مُفسرا، فإنه جعَلَ صَنيعَهُ الذي ذكَرَهُ عبَيدُ بن جُرَيجِ بلفظ الإخفاءِ نَفْسَ صَنيعِ النبي - صلى الله عليه وسلم - فما الذي جاءَت بهِ الرٌوايةُ الثابتةُ مِن فعل ابنِ عُمَرَ؟
تَواتَرَ عَنِ ابنِ عُمَرَ إنه كانَ يُبالِغُ في الأخْذِ مِن شارِبِهِ، لكتَه لم يَرِدْ في شَيءٍ منَ النقلِ عَنهُ حَلقُ الشَارِبِ.
فقَد تقدم عَنهُ أنهُ كانَ يجُز سِبالَهُ كَما تُجَز الشاة أو البعير.
كما تقدَّمَ إنه معَ جماعَةِ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا ياخذون من الشَوارِبِ كأخذِ الحَلقِ.
وقالَ محمد بن زَيد العُمَري: كانَ ابنُ عُمَرَ يحفي شارِبَهُ، حتْى تَنظُرَ إلى بَياضِ الجِلْدَةِ.
وفي رِوايةِ: حتَى أرى بَياضَ بَشَرَتِهِ، أو يَستَبينَ بَياضُ بَشَرَتِهِ.
وقالَ عُقبَةُ بنُ (مُسلِم) : ما رأيت أحَدا أَشَدَ إِخفاء لشارِبِهِ مِنِ ابنِ عُمَرَ، كانَ يُخفيهِ حتى إن الجِلْدَ لَيُرَى.
وقالَ أبو سَلَمَةَ بنُ عَبد ِالرحمن: رأيتُ ابنَ عُمَرَ يُحفي شارِبَهُ حتى لا يترُكَ منه شيئا.