الرد على الإعتراض الثالث والرابع وهو القول بالنسخ وأن العمل بالحديث متروك
أولًا: لا يُقال بالنّسخ إلا بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يتعذّر الجمع بين النصوص، فإن أمكن الجمع فلا يُعدل عنه.
وثانيها: أن يُعرف التاريخ، فيُعرف الْمُتقدِّم من المتأخِّر.
وثالثها: أن تتكافأ الأدلة من حيث الصحة.
قال ابن حزم: القولين إذا تَعارضا وأمكن أن يُستَثْنَى أحدهما من الآخر فيُسْتَعملان جميعًا لم يَجُز غير ذلك، وسواء أيقنّا أيهما أول أو لم نُوقِن، ولا يجوز القول بالنسخ في ذلك إلا ببرهان جلي من نص أو إجماع أو تعارض لا يمكن معه استثناء أحدهما من الآخر (1)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلِط على مذهبهما، ومن قاله مُطلقا من أي مذهب كان فقد قال قولًا بلا دليل، ولم يجيء عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضى أنه حرّم جميع العقوبات المالية، بل أخْذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك مُحْكَم غير منسوخ، وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث، ومذهب مالك وأحمد وغيرهما أن العقوبات المالية كالبدنية تنقسم إلى: ما يُوافق الشرع، وإلى ما يخالفه. وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما، والْمُدَّعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ لا من كتاب ولا سنة، وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طُولِبَ بالناسخ لم يكن معه حجة إلا أن مذهب طائفته ترك العمل ببعض النصوص أو توهمه ترك العمل بها إجماع، والإجماع دليل على النسخ، ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلًا على أنه منسوخ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلال، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحًا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاع، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه، ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء (2)