فالإقرار ألاعتقادي هو الإيمان المطلق بأنه لا شئ يستحق أن يكون معبودًا مع الله تعالى. وهذا الإقرار أمر مقدور عليه.
وأما الإقرار العملي فهو أن تندرج كل أنشطة الإنسان في إطار ما شرعه ربُّ العالمين. وهو إقرار لا سبيل إلى استيفائه، لأن كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوّابون، ومراعاةً لهذه الحالة تمَّ تقديم المفعول به (إياك) إعلانًا من العبد عن حرصه البالغ على تحرّي نهج العبودية لله تعالى، ولكنّه مَخْلوق مَجْبُولٌ على القصور فكان من تعليم الله له أن يقول (وإياك نستعين) أي نطلب العونَ منك على تحقيق الوجه الأمثل للعبودية، في القول والعمل.
ثانيًا: نعبد ... نستعين
ذكر بعضُ السَّلفِ أن المُرادَ من الآية هو: لا نعبْد إلا إياك ولا نتوكّل إلاّ عليك، فوَّجهوا دلالة (نستعين) إلى الإيمان بأن كل أمر يقصد الإنسان إلى فعله إنما هو بيد الله، إن شاء أتمه، وإنْ شاء حجبه.
وكنا في العنوان السابق قد بيّنا أن ذكر الاستعانة بعد العبادة، يشير إلى أن تحقّق العبادة من الإنسان ومجيئها على الوجه الذي يرضاه الله، لا يكون إلا بعون منه سبحانه.
وفي هذا الموضع يلوح لنا وَجْهٌ آخر، لا ينفي الأول، بل يسير معه في ركابٍ واحد، وهو تقسيم شرع الله تعالى إلى عبادات ومعاملات، فالعبادات هي تلك الطقوس الدينية التي يكون التعامل فيْها مع الله تعالى مباشرةً، كالصلاة والزكاة وسواهما. أمّا المعاملات فهي تلك الأنشطة التي يتداولها الناس فيما بينهم.
أي أن امتثال الإنسان لمُراد الله تعالى يأخذ وجهين، وجهًا عباديًا ووجهًا عمليًا. وقد تمّ عطف الثاني على الأول إشارةً إلى أمرين: