اختيار مقصود وحكيم يحمل دلالة مقصودة وهي أن هذا الكتاب إنما كان فيضًا عظيمًا من فيوضات اسمه سبحانه (الرحمن الرحيم)
فهذا القرآن من الله والله عز وجلّ له الأسماء الحسنى فاختار جل شأنه لاسمه (الله) وجهًا من وجوه الإلوهية، فهو: الله الرحمن الرحيم. وكأن هذه الكلمات الثلاث كلمة واحدة جاءت بيانًا للاسم المذكور في (بسم) .
5 -وحكى ابن الأنبا ري عن المبّرد أن (الرحمن) اسم عبراني، ليس بعربّي. فرّد القرطبيّ على ذلك بقوله: هو مشتق والدليل على أنه مشتق قول النبي - صلى الله عليه وسلم:
(قال الله تعالى: أنا الرحمن، خلْقتُ الرَّحِمَ، وشَقَقْتُ لها اسْمًا من اسمي، فمن وصَلَها وَصَلْتُه، ومن قطعها قَطعْتُه) . رواه الترمذي.
فكان دليل اشتقاقها دليلًا على عربيّتها.
إنَّ أسماء الله تعالى ليست من وضع العبرانيين، ولا من وضع العرب، بل هي مما انزله الله على ألسنة الرسل والأنبياء، وهو ما يستوجب أن تكون هذه الأسماء قديمة، فإذا امتدّ بقاء الاسم من زمن العبرانيين، بل ومن قبل زمنهم، ثم وصل إلى أفواه أجدادنا، كان ذلك سبيلًا إلى دخوله في منظومة الكلام العربيّ صَرْفًا ونحوًا.
ومنْ أَدِلّةِ هذا الَمعْنى ما عرضناه من مقارنة بين كلمة (الله) وكلمة (إيل) ، ونضيف إلى ذلك قول السلف الصالح إن (إبراهيم) - عليه السلام - أصل اسمه: أب رحيم، فمُدّت فتحة الراء لتصبح ألفًا: أب راحيم، ثم قُلبت الحاء هاء لقرب مخرجيهما لتصبح إبراهيم
وكنت قد ذكرت هذا المبحث في كتاب (إبراهيم عليه السلام) إلا أن الأمر يحتمل تحليلًا آخر هو أقرب وأمكن، وذلك بتوجيه اسم إبراهيم - عليه السلام - إلى أصل آخر هو (عبد الرحمن) وليس أب رحيم، بالاستناد أوّلًا إلى أنَّ اللسان العرب عرف التبادل بين العين والهمزة، لما بينهما من تقارب فكان في لغات العرب ... ما عُرف