الصفحة 16 من 47

وما أجمل تلك الحكاية التي ساقها ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين حيث قال:"وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرود وإباق من سيده. فرأى في بعض السكك بابًا قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكرًا، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزينًا. فوجد الباب مرتجًا فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول: ياولدى، أين تذهب عنى؟ ومن يؤيك سواي؟ ألم أقل لك: لاتخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت. فتأمل قول الأم: لاتحملنى بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم:"لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها"وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟ فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه. فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به. فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفوا عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان" [1] .

ثانيًا: بادر المعصية بالتوبة:-

حين تقع في المعصية وتلم بها فبادر بالتوبة وسارع إليها، وإياك والتسويف والتأجيل. فالأعمار بيد الله عز وجل، وما يدريك لو قد دعيت للرحيل فأجبت النداء، وودعت الدنيا وقدمت على مولاك مذنبًا عاصيًا.

(1) مدارج السالكين (1/ 235236)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت