إذًا فما يقوم به بعض من الشباب من انتقاد فلان أنه يقع في هذه المعصية، ويفعل هذا الأمر أو ذاك، ليس بالضرورة غيرة محمودة بل قد يكون من باب التعيير. والأولى بالمسلم أن ينشغل بعيب نفسه ويخشى ذنوبه، ويشعر أن واجبه تجاه أخطاء غيره يقف عند حد المناصحة والستر والدعاء لهم وسؤال الله العافية.
إن هذا المسلك برهان على إفراط صاحبه في ثقته بنفسه، وتزكيته لها والغرور بوابة من بوابات الهلاك، وأمارة من أمارات إحساس العبد باستغنائة عن معونة مولاه وهو سبب لأن يوكل المرء لنفسه.
وأين هذا مع هدي أعرف الخلق بالله الذين كان يقول أحدهم {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} (هود 47) والذي يقول {وإلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين} (يوسف 33) والثالث حين يقول لمولاه بعد أن حطم الأصنام واحتمل في ذلك ما احتمل {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} (إبراهيم 35) .
أما محمد صلى الله عليه وسلم فكان من دعائه"اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت" [1] .
وتعييرك لأخيك"فيه صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب. وأن أخاك باء به ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله، ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها والاعتداد بها والمنة على الله وخلقه بها. فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا المدل من مقت الله. فذنب تذل به لديه، أحب إليه من طاعة تدل بها عليه. وإنك أن تبيت نائمًا وتصبح نادمًا، خير من أن تبيت قائمًا، وتصبح معجبًا" [2] .
(1) رواه أحمد (5/ 42) ، وأبو داود (5090) .
(2) مدارج السالكين (1/ 197) .