الصفحة 42 من 47

وهذا يعني باختصار أن لا يدعو أحد، ولا يأمر أحد بالمعروف؛ إذ لا يمكن أن يصل أحد إلى حال لايواقع فيها المعصية.

قال سعيد بن جبير:"لو كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء" [1] .

ويشير الشاعر إلى هذا المعنى قائلًا:-

ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب ... ... فمن يعظ العاصين بعد محمد

رابعًا:-

إن الواجب على المرء تجاه المنكر أمران أولهما تركه، والثاني النهي عنه. والواجب عليه تجاه المعروف أمران أيضًا أولهما فعله، والثاني الأمر به. فحين يترك الواجب الأول فهل يسقط عنه الواجب الثاني؟. قال ابن كثير:"فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف" [2] .

إن تركك للنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل فعلك للمنكر نفسه، أو تركك للمعروف: إن هذا بحد ذاته منكر آخر.

المسلم يحب الله عز وجل وكل عمل يحبه سبحانه، ويمقت معصية الله ومن يقارفها. وهو يملك حسًا مرهفًا ونفسًا جياشة لا تملك الحياد مع من يجتريء على حرمات الله عز وجل، فالحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان ومن فقدها فليراجع نفسه، ويتفقد إيمانه.

لكنه قد يشتط في ذلك فبدلًا من بغض المعصية وصاحبها يعيِّره ويتعالى عليه. وقد يحق عليه وعيد النبي صلى الله عليه وسلم:"من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله" [3] .

وفي حديث يرويه جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال:"من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك، أو كما قال" [4] .

(1) تفسير ابن كثير (1/ 129130) .

(2) تفسير ابن كثير (1/ 129) .

(3) رواه الترمذي (2505)

(4) رواه مسلم (2621) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت