وعن الحسن -رحمه الله- أنه قال:"من عمل حسنة وإن صغرت أورثته نورًا في قلبه، وقوة في عمله، وإن عمل سيئة وإن صغرت فاحتقرها أورثته ظلمًا في قلبه وضعفًا في عمله" [1] .
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال:"إن الرجل ليعمل الحسنة يتكل عليها، ويعمل المحقرات حتى يأتي الله وقد أخطرته، وإن الرجل ليعمل السيئة فيغرق منها حتى يأتي الله آمنًا" [2] .
قال ابن القيم -رحمه الله-:"إذا عرف هذا فاستقلال العبد المعصية عين الجرأة على الله، وجهل بقدر من عصاه، وبقدر حقه؛ وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها، وخفت على قلبه؛ وذلك نوع مبارزة" [3] .
فكم -أخي الكريم- من كلمة لا نلقي لها بالًا: سخرية بمسلم أو همز له، أو وقوع في عرضه، أو كلمة غير صادقة، نضيف لها نظرة عابرة، وتقصيرًا في واجب لا نعبأ به وهكذا حتى يتولد منها سيل جارف. وبعد ذلك نسأل: لماذا قلوبنا قاسية؟!
كما أن الطاعات تتفاوت مراتبها ودرجاتها بحسب الأعمال ذاتها، وبحسب العامل، والوقت، والسر والجهر، فالمعاصي كذلك. فالمعصية الواحدة يختلف إثمها ووزرها بحسب العامل، وحرمة الزمان، والمكان، والجهر والإسرار.
وقد دلت النصوص الشرعية على أن المعصية التي يستتر بها صاحبها أخف جرمًا من التي يعلنها.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يافلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه" [4] .
(1) رواه اليهقي في شعب الإيمان (7219) .
(2) رواه البيهقي في شعب الإيمان (7266) ونسبه ابن حجر في الفتح إلى أسد بن موسى في الزهد.
(3) مدارج السالكين (1/ 290) .
(4) رواه البخاري (6069) ومسلم (2990) .