وهو جانب أنى لابن القيم رحمه الله أن يغفله لذا فقد قال:"ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضًا: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب، ولا تحصل بجوع ولا رياضة، ولا حب مجرد إنما هي أمر وراء هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة، قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقته بين يدي ربه طريحًا ذليلًا خاشعًا، كحال عبد آبق من سيده، فأخذ فأحضر بين يديه، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بدًا، ولاعنه غناءً، ولا منه مهربًا، وعلم أن حياته، وسعادته، وفلاحه، ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبه لسيده، وشدة حاجته إليه، وعلمه بضعفه وعجزه، وقوة سيده، وذله وعز سيده. فيجتمع من هذه الأحوال كسرة، وذل وخضوع ما أنفعها للعبد، وما أجدى عائدها عليه، وما أعظم جبره بها، وما أقربه بها من سيده. فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة، والخضوع، والتذلل، والإخبات، والانطراح بين يديه، والاستسلام له فلله ما أحلى قوله في هذه الحال"أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني، وفقري إليك. هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك. عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.
يا من ألوذ به فيما أأمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ولايهيضون عظمًا أنت جابره
فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته، وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة، وما أسهلها باللسان والدعوى، وما عالج الصادق شيئًا أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله" [1] . ا هـ"
(1) مدارج السالكين (1/ 207208) .