لاشك أن القول الذي لا يصدقه عمل مذموم في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. ففي التنزيل {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} (الصف 2 - 3) . وفيه أيضًا {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (البقرة 44) .
وفي السنة النبوية في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون أي فلان؟ ما شأنك؟ أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" [1] .
ووردت آثار عن السلف في ذلك منها: مقالة أبي الدرداء رضي الله عنه"لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا" [2] .
ثانيًا:-
هل هذا الذم الذي ورد في هذه النصوص هو ذم للرجل على دعوته وإنكاره للمنكر؟ أم أنه ذم له على فعل المنكر مع أنه أولى الناس باجتنابه؟ ولعل الثاني أليق بالنصوص الشرعية؛ إذ لا يعقل أن يذم الرجل ويعاب على عمل الخير، وأن يصبح عمله للخير سيئة يعاقب عليها.
واختار الحافظ ابن كثير هذا المعنى فقال:"وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له" [3] .
ثالثًا:-
هل يوجد حين نعمم هذه النتيجة من لا يقع في المعصية، ولايقارف الخطيئة؟ والبشر كلهم خطاءون وعصاة، ولا يمكن أن يصل المرء إلى حال لايواقع فيها معصية. فهل يسوغ أن نقول بعد ذلك: لايحق لأحد أن يأمر الناس بالخوف من الله لأنه لابد أن يقع في المعصية، وذلك ناشيء من قلة خوفه له سبحانه. أو لا يحق لأحد أن يأمرهم بتقواه وهو يقع في المعصية؛ لأنه لم يتق الله؟.
(1) رواه البخاري (3267) ومسلم (2989) .
(2) تفسير ابن جرير (1/ 258)
(3) تفسير ابن كثير (1/ 129) .