ومن ذلك تواضع موسى عليه السلام وذاهبه للخضر عليه السلام مع جلالة قدره وعلو منزلته، قال الله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف:66] .
إن العظماء هم المتواضعون والمربي لابد عليه أن يكون متواضعًا حتى يوصل رسالته للمتربين من حوله، وإذا فقد المربي هذه الصفة فقد فقد عنصرًا مهمًا من عناصر التأثير في المتربي، والذين يتكبرون على الآخرين ويشمخون بأنوفهم لن تجد من يتقبل منهم العلم الذي معهم، وطبيعة النفس البشرية تنفر من الذين يرون أنفسهم بعين العظمة ويزدرون الآخرين ويحتقرونهم، ولايرون الناس إلا بعين المهانة والاحتقار، فالمربي الصادق قريب من المتربين سهل في كلامه سهل في تعامله سهل في أسلوبه لايتكلف ولا يتصنع، بل يعيش البساطة في حياته بكل معاني البساطة وعدم التكلف.
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على طبقت الماء وهو رفيع
ولاتكن كالدخان يعلو بنفسه ... على طبقات الهوا وهو وضيع
وقديمًا قيل:
العلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي
سئل الفضيل بن عياض (1) عن التواضع؟ فقال: يخضع للحق وينقاد له. ويقبله ممن قاله. وقيل: التواضع أن لاترى لنفسك قيمة. فمن رأى لنفسه قيمة في نفسه فليس له في التواضع نصيب. وقال الجنيد بن محمد (2) : هو خفض الجناح ولين الجانب. وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت (( يا أميرالمؤمنين، لاينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين. دخلت نفسي نخوة. فأردت أن أكسرها ) )