كشف له الخضرُ عن الحكمة من هذه الأفعال التي أنكرها عليه: فبدأ بالسفينة، مبينا أنها كانت ملكا لمساكين يعملون في البحر، لا يكادُ دخلُها يُوفِّي بنفقاتهم، ومع ذلك كانت كغيرها من السفن مطمعا لملكٍ غاصبٍ، يستولي بقوته الغاشمة وسلطانه الجائر على كلِّ سفينةٍ صالحة خلفهم وفي إثرهم، أي كل سفينة صالحة فخرقتها وعبتها حتى لا يأخذها الملك الغاصب، فإذا مرَّ بها تركها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها وانتفعوا بها.
الغلام؟
وأما الغلام الذي بادر لقتله: فلقد كان لأبوين صالحين، وكان في بقائه وقد طبع على الكفر إرهاقٌ وإحراجٌ لهما، رحمة بهما وإشفاقا عليهما، دينا وعملا وصلاحا، أوصلَ رحما وأبرَّ بهما.
روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) [1]
جاءت قصة موسى والخضر لتبين لنا أهمية العلم النافع، وبركة إتباع العلماء، وأثر الصحبة المباركة في العصمةِ والنجاةِ من براثنِ الفتنِ، وبهذا تنتظم هذه القصة مع محور السورة الذي يدور حول العواصم من الفتن.
الجدار:
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في تلك المدينة وكان أبوهما صالحا، فنفعهما الله بصلاحه وقيَّض لهما الخضرَ ليقيم الجدارَ حمايةً للكنز، حتى إذا بلغا أشدهما استخرجاه.
(1) صحيح مسلم كتاب البر والصلة: حديث (172) (2380)