أما في المرة الثانية فكان ينظر للحادثة من زاوية موسى وفتاه، ويلحظ أثر حركة الحوت على نفسية وشعور موسى وفتاه، ولاشك أنهما سيعجبان من حركة الحوت، ولذلك قال:.
"ونشير هنا إلى أن العجب الذي أثارته حركة الحوت وبعثه، ليس مبعثه الإنكار والاستغراب، لأن موسى - عليه السلام - وفتاه، يؤمنان بقدرة الله على البعث وصنع المعجزات، وإنما مبعثه هو دهشة المفاجأة، والانفعال بها" [1] ومثارُ التعجب: أن يحيا حوتٌ مُمَلَّحٌ، ثم يثب إلى البحر ويبقى أثرُ جريته في الماء لا يمحو أثرها جريان ماء البحر!
ثم وصفه الله سبحانه فقال: {عبد} وصفه تعالى بأنه عبدٌ من عباده؛ والعبودية أسمى المقامات وأشرف الغايات التي من أجلها خلق الإنسان، وفي هذا ما يدل على ما كان عليه الخضر - عليه السلام - من اجتهادٍ في العبادةِ، وهذه صفة أساسية من صفات أهل العلم ورجال الدعوة والإصلاح، وفي وصفه - عليه السلام - بأنه عبد من عباد الله: ردٌّ على كل من غالى في شأن الخضر حتى توهم بعض الغلاة أن الخضر لا يزال على قيد الحياة وأنه يظهر لبعض الناس فيرشدهم ويوجههم! وهذا كلام لا يشهد له نقل صحيح ولا يصدقه عقل راجح، قيل: الرحمة هي النبوّة، وقيل: النعمة التي أنعم الله بها عليه وهو ما خصَّه الله تعالى بعلمه ومعرفته، تفخيم لشأن ذلك العلم، وتعظيم له وبيانٌ لخصوصيته واختصاصه - عليه السلام - به.
لما التقى موسى بالخضر وتم التعارف بينهما طلب موسى - عليه السلام - من الخضر أن يتبعه حتى يقتبس من علمه وينتفع به.
(1) الخالدي، صلاح عبد الفتاح، مع قصص السابقين في القرآن الكريم"دروس في الإيمان والدعوة والجهاد، ج 2، ص 204"