اختلفت الأقوال، وتباينت الأحكام؛ في نبوة الخضر - عليه السلام -، فمن قائل بنبوته، وآخر بولايته، وثالث بصلاحه وعبادته، وسبب الاختلاف راجع في جملته إلى اختلاف الأفهام في استنباط الأحكام من سورة الكهف، وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شأنه، ولعلنا نذكر ما يشفي الغليل، ويزيل اللبس؛ حول هذه المسألة، مستشهدين بأقوال العلماء المحققين، والجهابذة المفسرين؛ مستمدين من الله التوفيق والسداد.
أولًا: إثبات نبوة الخضر - عليه السلام:
استدل أصحاب هذا القول بجملة من الأدلة، منها:
-أن الله وصفه بالعبودية وهو أشرف مقام، ولا يشرِّف الله بهذا الوصف إلا أنبيائه؛ كما وصف محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقال تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الإسراء:1]
-قوله بعد قتل الغلام، وخرق السفينة، وبناء الجدار: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] .
والمعنى أنه أوحي إليه بفعل هذه الأفعال، والوحي لا يكون إلا لنبي.
-قوله لموسى - عليه السلام {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78] ، أي بوحي من الله عزوجل.
-أن الولي أقل رتبة من النبي، والأولياء يتبعون الأنبياء لا العكس، وموسى - عليه السلام - نبي فلا يمكن أن يكون تابعًا لمن هو أقل رتبةً منه كما قال موسى - عليه {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف:66] .
قوله {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} [الكهف:65] .