الرجيم» [1] .
وروى الضحاك عن ابن عباس أنّ أول ما نزل جبريل على محمد -صلى الله عليه وسلم- قال: «قل يا محمد: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، اقرأ باسم ربك الذي خلق» [2] .
الثانية: حكمها
الأكثرون على أن الاستعاذة مندوبة؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلّم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة، وعن عطاء أن الاستعاذة واجبة في كل قراءة في الصلاة وغيرها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- واظب عليها. وقال تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153 و 155] [3] ؛ ولأن الأمر في «فاستعذ» للوجوب. وإنما تجب عند كل قراءة؛ لأنه قال: {فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدلّ على التعليل، والحكم يتكرّر بتكرّر العلّة؛ ولأن الاستعاذة لدفع شر الشيطان، ودفعه واجب، وما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب. وعن ابن سيرين وجوبها في العمر مرة واحدة، وعن مالك أنه لا يتعوّذ في المكتوبة إلا في قيام رمضان.
والمستحبّ فيها الإسرار في الصلاة وإن كانت جهرية إلحاقا لها بما قبلها من الذكر وهو
(1) البيهقي، السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب التعوذ بعد الافتتاح، (2/ 54) رقم الحديث:2355.
(2) قال ابن الباذِش في كتابه الإقناع (1/ 49) :"فلم يأت فيه عن أحد من السبعة نص، وقد قال أبو الحسن أحمد بن يزيد الحلواني: ليس للاستعاذة حد تنتهي إليه، من شاء زاد، ومن شاء نقص، واختلف أهل الأداء فيها اختلافًا شديدًا، ثم قال: والذي صار إليه معظم أهل الأداء، وأختاره لجميع القراء:"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"لما روى عبد الله بن مسعود وأبو هريرة وجبير بن مطعم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه استعاذ عند القراءة بهذا اللفظ بعينه، وجاء تصديقه في التنزيل، قال الله عز وجل: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] فندبه إلى استعمال هذا اللفظ عندما يريد القراءة، والمعنى: فإذا أردت فقراءة القرآن"
وقال السخاوى في (جمال الإقراء) (1/ 579) :"والذي عليه إجماع الأمة {أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} وأما غير هذا اللفظ فغير متفق عليه".
(3) قال محقق الكتاب في الحاشية:"إن الضمير في أمر قوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} عائد إلى النبي- صلى الله عليه وسلم-، وفقا لسياق كلام المؤلف. وعلى هذا تكون الآية التي أرادها المؤلف هي 158 من سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: { ... فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فاقتضى التنويه"ينظر (النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان 1/ 15) .