أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب القول الثالث القائلون بصحة العقد وثبوت الخيار بما استدل به أصحاب القول الثاني؛ عدا ما يدل على عدم ثبوت الخيار، وقالوا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل لمشتري المصرّاة الخيار إذا علم بعيب التصرية، ولم يقض بفساد البيع، ومعلوم أن التصرية تغريرٌ وغش ومكر وخديعة، فكذلك التغرير في بيع وشراء الأوراق المالية يصح فيه البيع، ويكون المبتاع بالخيار من أجل ذلك قياسًا ونظرًا، والله أعلم [1] .
القول الراجح:
بعد هذا العرض لأدلة كلِّ فريق وما ورد عليها من مناقشة؛ يظهر أن القول الراجح هو القول الثالث؛ لقوة أدلته ووجاهتها؛ وذلك لأن التغرير يؤدي إلى إلحاق ضرر بأحد المتعاقدين، ولا يمكن أن يقال: لا خيار للمشتري مع صحة العقد - كما ذهب إليه أصحاب القول الثاني - لأن رفع الضرر عن المتضرِّر متعينٌ وواجب. ورفعه إما بفسخ العقد وبطلانه بالكلية - كما ذهب إليه أصحاب القول الأول- وإما بمنح العاقد المتضرِّر حق الخيار ليتدارك به ما فاته من نفع، أو ليتلافى ما لحقه من ضرر، أو لإزالة الضَّيْم الذي أصابه بسبب التغرير والخديعة.
وفسخ العقد بالكلية يُشْكِل عليه أن الشارع صحّح عقودًا وقع فيها مكر وخديعة - كمتلقي الركبان وبيع المصرّاة - ولكن جعل للمتضرر الخيار، فالتغرير بالسعر عن طريق التحايل والتلاعب كذلك؛ لأن الشرع لا يفرِّق بين المتماثلات، وما دام أن هذا الضرر يمكن جبره بالخيار فيثبت له. والله أعلم [2]
لكن يبقى السؤال مطروحًا. وهو: هل يمكن إثبات هذا الخيار في مثل تعاملات الناس اليوم في الأوراق المالية؟ لا سيما مع عدم وضوح من يمارس
(1) ينظر: فتح البر (12/ 217) .
(2) ينظر: الغش وأثره في العقود (1/ 118) .