المبحث الخامس
حكم التغرير في المضاربة في الأوراق المالية
لقد أوجب الله سبحانه في المعاملات خاصةً - وفي الدين عامة - النصيحةَ والبيان، وحرَّم الخلابة والتغرير والكتمان، ولقد حاربت الشريعة الغراء كل أنواع الحيل. ومظاهر التحايل تحت أي اسم كان، من التغرير والغرور والغش والخيانة، والمداهنة والخديعة، والتمويه والتضليل والتدليس والتلبيس [1] .
ولم تقف محاربة الإسلام للتغرير عند باب النصيحة والتوجيه فحسب. بل تعدّى ذلك إلى أن رتَّب عليه آثارًا وأحكامًا، من الحرمة والإثم إلى إيقاع العقوبة والتعزير. حتى تستقيم الأمور على أحسن حال، وأقوم سلوك، ولقد أمر بالصدق والأمانة، والصراحة والسماحة عند التعامل فقال - صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) [2] . وقال - صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق الأمين. مع النبيين والصديقين والشهداء) [3] ، وجعل الكذب ولا سيما الكذب الذي يقتطع به مال امرئ مسلم بغير حق، إحدى الكبائر والمهلكات [4] .
(1) ينظر: الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن الهمذاني، ط. دار الكتب العلمية، بيروت. (ص 175،278) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب: السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومن طلب حقًا فليطلبه في عفاف (فتح) (4/ 384) رقم (2076) من حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنه -.
(3) أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - إيّاهم (3/ 515) رقم (1209) . والدارمي في سننه، كتاب البيوع، باب: في التاجر الصدوق (2/ 322) رقم (2539) . والحديث في سنده ضعف للانقطاع بين الحسن البصري وأبي سعيد الخدري إذ إنه لم يسمع منه، وممن نفى سماعه ابن المديني والدارمي حيث قال عقب روايته لهذا الحديث في سننه: «لا علم لي أن الحسن سمع من أبي سعيد» . وينظر: تهذيب التهذيب (1/ 389) ، وقد أخرج الترمذي في جامعه في الباب نفسه من كتاب البيوع (3/ 515 - 516) رقم (1210) من حديث رفاعة بن رافع - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: (يا معشر التجار) فاستجابوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه. فقال: (إن التجار يُبعثون يوم القيامة فُجَّارًا، إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق) . والحديث قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(4) إشارة إلى الحديث المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اجتنبوا السبع الموبقات .. ) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الوصايا، باب: قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا .. } (فتح) (5/ 494) رقم (2766) ، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (1/ 92) رقم (89) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.