يشتريها في غرور الغير، فاشتركا في الحكم لذلك، وكونه آكل ربا بهذا التفسير» [1] , فدل ذلك على أن كلَّ من أخذ أموال الناس بأي نوع من أنواع التحايل والخداع والتغرير عن طريق العقود؛ فهو فاسد وباطل.
المناقشة:
أولًا: لا يُسلّم أن مطلق النهي يدل على الفساد مطلقًا، ولو سُلِّم بذلك؛ فإن النهي لم يوجه إلى العقد مطلقًا، وإنما وجه نحو النجش، وهو غير العقد [2] .
قال الشافعي - رحمه الله - مبينًا أنَّ نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على الفساد هنا: «لأن البيع جائز. لا تفسده معصية رجل نجش عليه؛ لأن عقده غير النجش، ولو كان بأمر صاحب السلعة؛ لأن الناجش غير صاحب السلعة، فلا يفسد البيع إن فعل الناجش ما نُهي عنه، وهو غير المتبايعَين، فلا يفسد على المتبايعَين بفعل غيرهما، وأمر صاحب السلعة بالنجش معصية منه، ومن الناجش معصية» [3] . اهـ.
ثانيًا: إن دليلهم الثاني لا يدل على أكثر من التحريم. وهذا مسلَّم به، ولو فرض جدلًا أن هذا يدل على البطلان فهو اجتهاد صحابيّ، وهو قابل للإصابة أو الخطأ، فلا يكون حجة، كما أن قوله - رضي الله عنه: «الناجش آكل ربا» لا يستلزم منه التشابه الكامل بين هذا العقد الذي فيه النجش وبين الربا من كل النواحي، بل يكفي أن يكون وجه الشبه هو الحرمة فقط، ذلك لأن الربا في الشرع غير متحقق تمامًا في النجش.
ثالثًا: إن قولهم: إن فيه مضرّةً على الناس. وإفسادًا لمعايشهم .... فيقال: إن النهي إنما هو لحق الآدمي، فلم يفسد العقد، كتلقي الركبان وبيع المعيب. وفارَقَ ما كان لحق الله تعالى؛ لأن حق الآدمي يمكن جبره بالخيار بين الإمضاء
(1) فتح الباري (4/ 448) .
(2) ينظر: المحلى (8/ 448) ، فتح القدير (5/ 240) ، الاختيار (2/ 260) ، تحفة المحتاج (4/ 316) .
(3) الأم (3/ 109) .