وشدد ابن رشد الجد فقال: «من استحل التدليس بالعيوب، والغش في البيوع وغيرهما, فهو كافر حلال الدم. يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل» [1] .
وقد جعل العلاّمة ابن القيم -رحمه الله- «أن معظم ولاية الإمام وقاعدتها الإنكار على هؤلاء الزَّغَليَّة [2] ، وأرباب الغش؛ لأنهم يُفسِدون مصالح الأمة، والضرر بهم عام لا يمكن الاحتراز منه، فالواجب على الإمام أن لا يهمل أمرهم، وأن يُنَكِّل بهم وأمثالهم، ولا يرفع عنهم عقوبة، فإن البليّة بهم عظيمة، والمضرة بهم شاملة» [3] .
وقد باشر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإنكار بنفسه على بعض المدلسين المغررين بالناس، يظهر ذلك حينما مرّ على صُبْرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: (يا صاحب الطعام، ما هذا؟) . قال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال: (أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غش فليس مني) [4] . فإدخال يده - عليه الصلاة والسلام - في الطعام يدل على مراقبته للأسواق ومنعه مما يقع فيها من غش وتدليس.
وعندما ظهرت في الأسواق بعض المخالفات في عهده - عليه الصلاة والسلام- استعمل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على سوق المدينة، واستعمل سعيد بن العاص على سوق مكة [5] ، ثم اقتدى به خلفاؤه من بعده بعد وفاته، فباشروا الحُسبة بأنفسهم تارة كما ولَّوْها غيرهم تارة أخرى [6] .
(1) المقدمات لابن رشد (5/ 429) . ضمن المدونة. ط: الكتب العلمية.
(2) الزَّغَلِيَّة: الخفيف من الرجال، ويطلق على الأطفال والصبيان. ينظر: لسان العرب (11/ 305) مادة زغل.
(3) الطرق الحكمية (ص 202 - 203) ط: دار البيان.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) (1/ 99) رقم (102) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(5) ينظر: الاستيعاب لابن عبد البر (2/ 621) والسيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي (3/ 424) ط: مصطفى البابي ط: الأولى 1384 هـ، وبهذا يظهر عدم صحة ما قاله القلقشندي في صبح الأعشى من أن «أول من قام بهذا الأمر - يعني الاحتساب على أهل السوق - ووضع الدرة عمر ابن الخطاب في خلافته» .اهـ.
(6) ينظر: الحسبة في الإسلام لابن تيمية (ص-50) والحسبة في الماضي والحاضر (2/ 513) . والغش وأثره في العقود (1/ 51 وما بعده) .