فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 215

فكأن سلكًا خفيًا ينظمها نظم الدرر، وهذا ما يعرف بـ"الموسيقى الخفية"، وأمارتها أن تسمع للأثر الأدبى يتلى عليك ومن ورائه أذنك المرهفة تصغى لنظم قد تماسك والتحم معنى ومبنى بمعنى أن القارئ لو سكت فجأة دون إتمام مقاله الأدبى لشعرت أن نشازًا حدث فانبترت الموسيقى انبتارًا قاطعًا، فإذا أتم الحديث لغايته فقد بلغ بك الطرب النفسى أقصاه إذ رويت ظمأك بما ينقع الغليل ... ، وهذه الموسيقى النثرية ليست حركة لفظة وإنما حركة نفسية أو هى ترجمة صوتية عن تجربة للكاتب من شأنها أن تعين اللغة والكلمات على أداء المضمون الروحى للكاتب، وبعبارة أخرى أن تعبر الألفاظ عن المعانى بذواتها، فإذا نسقت هذه الألفاظ تنسيقًا خاصًا اكتسبت من موسيقاها معانى جديدة، وهذا هو الذى يقصده البلاغيون من ألفاظ العذوبة، والرقة، والفخامة، والطلاوة، والسماحة ... التى تفصح عن موسيقى الأدب وأثرها في نفوسهم" [1] ،"وهذه الموسيقى من صفات الجودة في الأسلوب، وهى أمر يرتبط بالموهبة، والأذن المرهفة، والذوق السليم ... ، وموسيقى الحديث عذبة تنساب في الكلمة الحديثية، وفى الجملة الحديثية كما تنساب في الكلام النبوى" [2] وإلى التطبيق على المنبع الصافى، والمعين الشافى لنقف على هذا التناغم والتلاحم في البيان النبوى. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلًا في الجنة كلما غدا أو راح" [3] ، وهنا التناغم جاء من الارتباط والتلاحم بين كلمات الحديث، فالكلمات في ذاتها متناسبة ومتقاربة، وهذا التناسب بين الكلمات يترتب عليه تناسب العبارات مما يعطى الكلام هذه الموسيقى الداخلية والتى نحس بها كلما كررنا الحديث ورددناه حيث نجده يدخل إلى الأذن دخول المأنوس بلا استئذان."

ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والأخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" [4] ماأروع هذا الحديث، وما أرق موسيقاه الداخلية، وما أشد التلاحم بين أجزائه، إنك حين تقرأه تشعر أنك

(1) ينظر البيان النبوى ص 250,249

(2) ينظر الحديث النبوى مصطلحه وبلاغته وكتبه ص 79,78

(3) متفق عليه من حديث أبى هريرة. نزهة المتقين 1/ 123

(4) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة. نزهة المتقين 1/ 211

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت