فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 215

الفصل الثالث: أثر الحديث في اللغة والبلاغة والأدب

كان لعناية النبى - صلى الله عليه وسلم - بالبيان وإصلاحه أكبر الأثر في اللغة، والبلاغة، والأدب، فالضوابط التى ذكرها البلاغيون في بلاغة الكلام، وفى الإيجاز، وغير ذلك من مباحث البلاغة إنما ترجع أصولها إلى البيان النبوى بعد القرآن الكريم؛ ولهذا عكف العلماء على هذا البيان المبدع يدرسونه، ويحفظونه ويشرحونه، ويستنبطون منه الأفكار ويستخلصون منه المعانى والأسرار، ويستشهدون به لمسائل البلاغة كما في علم المعانى، والبيان، والبديع، ويحتجون به في اللغة، النحو [1] ويقول الرافعى عن تأثيره - صلى الله عليه وسلم - في اللغة:"إن النبى - صلى الله عليه وسلم - كان على حد الكفاية في قدرته على الوضع، والشقيق من الألفاظ، وانتزاع المذاهب البيانية حتى اقتضب ألفاظًا كثيرة لم تسمع من العرب قبله، ولم توجد في متقدم كلامها، وهى تعد من حسنات البيان، لم يتفق لأحد مثلها في حسن بلاغتها، وقوة دلالتها، وغرابة القريحة اللغوية في تأليفها وتنضيدها، وكلها قد صار مثلًا وأصبح ميراثًا خالدا ًفى البيان العربى مثل قوله:"هذا حين حمى الوطيس" [2] وهذا ضرب عزيز من الكلام يجتذبه البلغاء ويطبعون على قالبه وكلما كثر في اللغة لانت أعطافه واستبصرت طرق الصنعة إليه، وما من بليغ أحدث في العربية منه ما أحدثه النبى صلى الله عليه، فهذه في الأوضاع التركيبية. والثانية في الأوضاع المفردة مما يكون مجازه مجاز الإيجاز والاقتضاب، وهذا الباب كانت تتصرف فيه العرب بالاشتقاق والمجاز فتضع الألفاظ وتنقلها من معنى إلى معنى غير أنها في أكثر ذلك إنما تتسع في شئ موجود ولا توجد معدومًا، فلم يعرف لأحد من بلغائهم وضع بعينه يكون هو انفرد به وأحدثه في اللغة، ويكون العرب قد تابعوه عليه إلا ما ندر ولا يعد شيئًا بخلاف المأثور عنه - صلى الله عليه وسلم - في مثل ذلك فهو كثير تعد منه الأسماء والمصطلحات الشرعية مما لم يرد في القرآن الكريم، ومنه ألفاظ كان العرب أنفسهم يسألونه عنها، ويعجبون لانفراده بها، وهم عرب مثله كما عجبوا لفصاحته التى اختص بها، ولم يخرج من بين أظهرهم ... ومن ذلك كتبه الغريبة التى كان يمليها ويبعث بها إلى قبائل العرب يخاطبهم فيها بلحونهم، ولا يعد ألفاظهم وعباراتهم فيما يريد أن يلقيه إليهم ... ، وما ندرى أى ذلك أعجب؟ أن ينفرد النبى - صلى الله عليه وسلم - بمعرفة هذا الغريب من ألسنة العرب دون قومه و غير قومه ممن ليس ذلك في لسانهم عن غير تعليم و لا تلقين و لا رواية، أو أن يكون قومه من قريش قد ضربوا في الأرض للتجارة حتى اشتق اسمهم منها و خالطوا العرب وسمعوا مناطقهم في أرضهم، و حين يتوافدون في مواسم الحج، وهم مع ذلك لا يعلمون من هذا الغريب بعض ما"

(1) وسيأتى الحديث عن الاحتجاج بالحديث في اللغة والنحو فيما بعد.

(2) أخرجه مسلم - كتاب الجهاد - باب غزوة حنين - 12/ 116. وسيأتى تحليل هذا الحديث في الباب الخامس - الفصل الأول: الأصالة والمعانى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت