فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 215

ولكن هل النشأة وحدها كافية في أن يصل المرء إلى أعلى درجات الفصاحة، ويتربع على قمة البيان البشرى؟ بالطبع لا؛ لأن هذا الجانب يشاركه فيه - صلى الله عليه وسلم - كثير من الفصحاء والبلغاء أمثال: قس بن ساعدة، وأمية بن الصلت، ولبيد بن ربيعة، وغيرهم من الفصحاء والشعراء، ولكن لم يصل أحدهم إلى هذا المستوى من الفصاحة والبلاغة، ولذلك فلابد من وجود أسباب أخرى لبلاغته - صلى الله عليه وسلم - غير النشأة واللغة، لابد من وجود سبب آخر لهذه البلاغة ساهم في إعلاء شأنها، ورفع ذكرها إلى هذا المستوى من البيان، وهو السبب التالى.

ثانيًا: الفطرة النقية والإعداد الربانى والاصطفاء:

ويبدو لى أن الفطرة النقية، والإعداد الربانى، والاصطفاء مما ساهم في بلاغته - صلى الله عليه وسلم -، وسأجمع بين هذه الأسباب في الكلام؛ لأن الربط بين هذه الأمور من الأهمية بمكان في بيانه - صلى الله عليه وسلم -، وسأفصل في هذه الناحية بعض التفصيل لهذا السبب؛ ولأن لهذه الناحية مدخلًا في رسالته - صلى الله عليه وسلم -، وسأتناول هذه الناحية حسب الترتيب التاريخى في حياته - صلى الله عليه وسلم - مع الإيجاز، فلقد أشار النبى إلى هذا الاصطفاء فقال:

"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم" [1]

ولنبدأ في بنى سعد حين أخذت الحبيب - صلى الله عليه وسلم - حليمة السعدية، ورأت في حياتها وفى قومها من البركة والخير والسعة ما لم تر من قبل، وهنا وقع حادث شق صدره - صلى الله عليه وسلم -.

فلقد روى مسلم في صحيحه عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - أى ظئره - فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط (الإبرة) فى صدره [2]

(1) أخرجه مسلم من حديث واثلة بن الأسقع - كتاب الفضائل، وانظره في المشكاة ح (5740) 10>351

(2) قلت: وقد غسل جبريل عليه السلام قلبه صلى الله عليه وسلم بماء زمزم وهو صغير كما في هذه الرواية عند مسلم، واستخرج منه هذه العلقة، وغسل جبريل صدره وجوفه بماء زمزم قبل الإسراء به، وحشاه إيمانًا وحكمة كما في رواية البخارى ومسلم، ويراجع في حديث أنس السابق صحيح مسلم بشرح النووى 2/ 217,216

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت