فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 215

الحمد لله والصلاة والسلام على صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، من أوتى جوامع الكلم، وروائع الحكم، محمد بن عبد الله إمام البلغاء، وسيد الفصحاء.

وبعد

فإن أحاديث نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد حوت صنوف البلاغة، وألوان الفصاحة، وعبرت أدق تعبير عن سمو النفس التى خرجت منها، وبينت المنبع العذب الذى نهلت منه، وكما يقول الجاحظ عن بلاغته - صلى الله عليه وسلم:"... فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالتوفيق، وهو الكلام الذى ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام، وقلة عدد الكلام ... ، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعًا، ولا أقصد لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح معنى، ولا أبين فحوى من كلامه - صلى الله عليه وسلم - ..." [1]

وهذا الجمال الفنى في بلاغته - صلى الله عليه وسلم - إنما يرجع إلى سموه الروحى، واتصاله بالملأ الأعلى، حيث أراد الحق سبحانه أن يكون النبى - صلى الله عليه وسلم - بدعوته نقطة تحول في حياة البشرية وتاريخها. ولقد بدأ في أمة تنقاد للبيان، وتخضع لسلطان الفصاحة، فلا عجب أن كان أبلغهم وأفصحهم، وكما يقول الرافعى:"إن ذلك الجمال الفنى في بلاغته - صلى الله عليه وسلم - إنما هو أثر على الكلام من روحه النبوية الجديدة على الدنيا وتاريخها ... فهو كلام كلما زدته فكرًا زادك معنى، وتفسيره قريب كالروح في جسمها البشرى، ولكنه بعيد كالروح في سرها الإلهى ... ، فهو لسان وراءه قلب وراءه نور وراءه الله جل جلاله ... ، فكلامه - صلى الله عليه وسلم - يجرى مجرى علمه، كله دين وتقوى وتعليم، وكله روحانية وقوة وحياة ..." [2]

ولأجل ذلك بنيت البلاغة النبوية على أصول ودعائم [3] ، لأن مهمته - صلى الله عليه وسلم -"التبليغ"حيث يقول تعالى آمرًا النبى صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (المائدة: 67) ، ويقول تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ ... } (

(1) ينظر البيان والتبيين 2/ 18,17 ط دار الجيل - (1410) هـ (1990) م

(2) ينظر وحى القلم 3/ 6 - 9 ط دار الكتاب العربى - بيروت.

(3) يرى الرافعى أن بلاغة النبى صلى الله عليه وسلم بنيت على ثلاث دعائم: الخلوص، والقصد، والاستيفاء. والتفصيل في كتابه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص 282 ط مكتبة الإيمان - ط أولى - (1417) هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت