الشورى: 48)، ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} (الأحزاب: 46،45) إلى غير ذلك من الآيات التى تبين أنه صلى الله عليه مبلغ عن ربه ومبشر ونذير.
وعن هذه الناحية يقول العقاد:"... ولصدق هذه الدلالة ترى أن السمة الغالبة على أسلوب النبى في كلامه المحفوظ بين أيدينا هى سمة الإبلاغ قبل كل سمة أخرى ... ، بل هى السمة الجامعة لما تفرق من سمات أخرى هى منها بمثابة الفروع" [1]
ومع مكانة هذا البيان النبوى، وما له من شرف ومنزلة لم يحظ بما يستحقه من العناية في الناحية البلاغية مع شرفه ومنزلته ومكانته في دنيا الناس، ولم نحظ في تراث الإسلام الحفيل بدراسات كثيرة للبيان النبوى، فنجد في كتب الأدب والبلاغة إشارات موجزة إلى منزلة البيان النبوى، أو ذكر لبعض الخطب والأحاديث النبوية التى تشتمل على أسرار بلاغية، وهى أحاديث معروفة مشهورة ينقلها اللاحق عن السابق [2] كما في البيان والتبيين للجاحظ، والمثل السائر لابن الأثير، وغيرهما من كتب البلاغة والأدب.
وكأن بلاغته - صلى الله عليه وسلم - تنحصر في هذه الأحاديث دون غيرها، ولقد أشار إلى ذلك بعض الباحثين العصريين، ومنهم: أ. د. محمد رجب البيومى حيث يقول:"إن كتاب الله الخالد قد شغل جمهور النقاد وأئمة البلاغة في القديم والحديث بدراسة إعجازه، فأطالوا القول كما يشاءون ... ، ولم يشحذ أحد هؤلاء همته ليخص البيان النبوى بدراسة تحليلية في كتاب خاص تظهر روائع إبداعه - صلى الله عليه وسلم -، وتوضح سمات إسلوبه، ومع كثرة ما كتب عن تاريخ النبى - صلى الله عليه وسلم - قديمًا وحديثًا ... قل أن تجد من أفرد فصلًا خاصًا في مؤلفه الكبير يتعرض فيه إلى البيان النبوى في تدفق وإسهاب إلا ما كان من إشارات عابرة تنبئ عن أنه أفصح العرب، وقد نشأ في قريش، وتربى في بنى سعد فرزق بلاغة وبيانًا، وأوتى جوامع الكلم، فإذا تجاوز ذلك فإلى أمثلة نبوية مشتهرة من نحو قوله - صلى الله عليه وسلم:"يا أنجشة رفقًا بالقوارير" [3] ، وقوله:"هدنة على دخن" [4] ، حتى البلغاء من أمثال الجاحظ، وأبى هلال،"
(1) ينظر عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم ص 83 - ط دار الكتاب العربى - ط أولى - (1391) هـ (1971) م
(2) مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"هذا حين حمى الوطيس"، وقوله:"هدنة على دخن". والحديث الأول أخرجه مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب - باب غزوة حنين - 12/ 116، والحديث الثانى أخرجه أبو داود من حديث حذيفة - كتاب الفتن والملاحم - باب ذكر الفتن ودلائلها 11/ 212
(3) أخرجه مسلم من حديث أنس - باب رحمته صلى الله عليه وسلم النساء والرفق بهن - 15/ 80
(4) سبق تخريجه.